|
|
||||||||
| السقوط.. وتطلعات للنهوض
تساؤل موجه إلي يقول: «نلاحظ (في الخارج)، انخراط عدد كبير من المثقفين والصحافيين اليساريين خصوصاً (الشيوعيين) في العمل لمصلحة مشاريع إعلامية تابعة للاستخبارات الأميركية، أو جهات أجنبية وإقليمية، بذريعة سقوط النظام العراقي. كيف تفسر هذه الظاهرة؟». أنه تساؤل عن موضوع معقد وشامل، يحتاج إلى كتابات.. بل كتب باختصار أنه تساؤل عن السقوط. فقد سقط السلطان، فلماذا لا يسقط وعاظ السلطان، أو حمله سياطه؟ لقد هيئ لهذا السقوط بأناة وتؤدة أحياناً، وباستعجال أحياناً أخرى. يوجد تصور هو أن الحزب الشيوعي العراقي هو حزب شعبي حقيقي، وعميق الجذور في المجتمع العراقي. له مكانة راسخة ومبدئية وطنية معروفة. له إنجازاته الضخمة وأخطاءه وعثراته. هذا التصور صحيحٌ طبعاً. إنه واحد من أكبر الأحزاب الطليعية في منطقة الشرق الأوسط، الهامة والغنية. وفي العراق الهام والغني. ثم لا ننسى أنه يعمل في عالمي العروبة والإسلام «الخطرين» جداً. لذلك فإن قرطاجة يجب أن تدمر! ثلاثة عوامل تضافرت من أجل أن تدمر قرطاجة، من أجل أن يتحقق السقوط المنشود، وهذه العوامل هي: أ ـ دور المخابرات المعادية، أي أجهزة الإمبريالية والصهيونية والرجعية العالمية. وقد رأينا كل ذلك. وبالطبع ينبغي قطع دابر الخيانة أولاً. ولكن حذار من التفرد أو المبالغة في دور الخيانة على حساب دور العوامل الأخرى للسقوط. وقد كتب وعرف القليل عن دور المخابرات المعادية في ذلك. وكتب الكثير، بل الأغلب عن دور القمع الحكومي، ولم يكتب إلا القليل عن دور أخطائنا. وخاصة ما ينحو نحو التعمق في التحليل والسعي لكشف ما وراء الستار. كُنت أحد الذين كتبوا، ونالوا (المقسوم). وأشعر أن ما كتبتُ ما يزال قليلاً. وآمل أن يكتب الجميع، كل حسب قدرته واجتهاده ووعيه. في مطلع عام 1972، كنت في دورة علاج في المستشفى المركزي في ضواحي موسكو. وهناك التقيت، أنا ورفيقي عدنان عباس، بأحد قادة الحزب الشيوعي في إسرائيل (راكاح)، وهو من أصل عراقي. قال لنا، أود أن يكون في علم حزبكم أن المخابرات الإسرائيلية، شجعت بعض طالبي الدراسات العليا، أن يقدّموا أطروحاتهم في تاريخ ودور الحزب الشيوعي العراقي، وأبدت الاستعداد لتقديم كل ما يلزم لمساعدتهم في ذلك!. * * * كثير من الناس يتصورون، أن الأحزاب المكافحة من أجل التغيير والتقدم، يتم ارضاخها بوسائل الضغط المكشوفة كالقمع، لحملها على التخلي عن مبادئها، والاستسلام، أو المسايرة. لكن الأحزاب المجرّبة والراسخة الجذور، كالحزب الشيوعي العراقي، التي اجتازت موجات الإرهاب العاتية، تلزم وسائل أخرى إضافية لإنهاكها. فكانت تلك الوسائل التخطيط لحملها على ولوج طريق آخر للتصفية، يعقب الضغط والاغراءات والقمع. أنه «التصفية بالمقلوب»، الركض سريعاً للأمام، التطرف نحو «اليسار». بذلك يتحقق أولاً الانعزال عن الشعب، ثم السقوط، وهذا ما كان. مع حملات الملاحقة والتسريح من العمل، مع نماذج ما سمي بـ«الحوار» في أقبية الدوائر المختصة بالقمع، مع الجلد والتعليق بالمراوح الكهربائية والتربع فوق القناني، كانت هناك طرق أخرى مستحدثة منها: كان القمع والملاحقات يتصاعدان مع بقاء لافتات مقرات الجبهة الوطنية والقومية التقدمية، والمقرات الحزبية. هرعنا للخارج، زرافاتٍ ووحدانا، فرحون بالسلامة و«إنقاذ الحزب». فكان إخلاء الساحة تدريجياً، ثم جاء الدور المشؤوم للهجرة الشاملة في تحقيق التصفية. كم هي غريبة، التقلبات في عالم السياسة عندنا، في العراق! فالأوهام الوردية، التي راودت البعض، أيام عز الجبهة والتحالف، انقلبت إلى أشد التطرفات، المضحكة المبكية، نحو «اليسار». وتطرفات «اليسار»، هي نفسها، انتهت مؤخراً، بذلك «البعض» إلى الانقياد لاسترضاء. أكثر الأعداء خطورة في الغرب ـ وقبول «التنسيق» معهم وتلقي «العون» منهم!. * * * أتمنى أن تحلل نفسياً، وليس سياسياً فقط، بعض الظاهرات الغريبة التي برزت عندنا. فلستُ أدري، هل كانت مستغربة، أم هي طبيعية الظاهرة التي لاحظناها بعد حملة الملاحقات على الحزب، وبعد الهجرة، حيث كان البعض من عناصر الكادر القيادي، التي اتسمت مواقفها بالضعف أو التخاذل، أمام الضغوط والملاحقات، أو أولئك الذين تهربوا، فيما بعد من واجبات العمل في المواقع الصعبة، تحولوا نحو الموقف المعاكس. ويقصد بذلك الموقف المعاكس، تحولهم، بعد الهجرة، وبعد استعادة الأنفاس في الخارج، وتسارعهم لامتطاء ظهور خيول «الثورية»، وامتشاق السيوف، واتهام من صمدوا بوعي، أمام المحن بالنزعة، «الاستسلامية»، و«اليمينية»!. علماً أن كثيراً من هؤلاء، كانوا قد انتقدوا، أو حوسبوا أمام الهيئة القيادية المركزية، أو الهيئات الأخرى، على ضعفهم أو تخاذلهم. * * * تلكم كانت بعض اللقطات السريعة عن المأساة، عن المهزلة، فهل كانت مجرد مسرحية؟ أعود إلى بداية السؤال الموجّه إليّ، وأرجو أن يستذكر القارئ الوضع الحساس والخطر الذي كنا فيه، وكان الوطن فيه، في مطلع عام 1991. وهنا أقدّم له ما كتبه الناقد الفني الفلسطيني، عماد عبد الوهاب في مجلة «الهدف» في عددها الصادر في 27/كانون الثاني (يناير)/1991 حيث قال: تحية لذلك الكاتب الطيب والصديق الذي علمت أنه يكافح اليوم داخل وطنه فلسطين الباسلة. نعم، أولئك هم الجنود المجهولون الآن، والمكافحون الذين يحاربون باستماتة، وبصمتٍ أحياناً، لكنهم، سيظلون للعراق والعروبة وللإنسانية، الأمل المرجّى. من هؤلاء، ومن الجميع، مطلوب البحث الجاد، المسؤول عن مستلزمات النهوض والتكاتف، ومواصلة المقاومة، مواصل مسيرة الكفاح. وقيل: «إن التاريخ يكتبه المنتصرون». لكن المهزومين الذين يثقون بقدراتهم على النهوض مجدداً، على الانتصار، قد يستطيعون إعادة كتابة التاريخ بصورة أفضل. |
||||||||