|
|
||||||||
|
التقدم والعثرات في مسيرة التاريخ وتطلع دائم نحو وحدة المناضلين! (رسالة نقد وتضامن لكتاب الصديق العزيز شوكت خزندار : " سفر ومحطات ــ الحزب الشيوعي العراقي رؤية من الداخل " : دار الكنوز الأدبية ــ بيروت / 2005 ) أدون في هذه الرسالة، رأيي وملاحظاتي عنه.. إني إلى جانب ان يكتب كل مناضلي جيلنا، القادرين على الكتابة، وخاصة ممن يواصلون النضال الآن، ما يساعد على تلخيص تجربتهم النضالية، وما يعكس رؤيتهم لأحداث الأمس، كل بطرقته الخاصة، التي يراها. عند مطالعة مذكرات شوكت خزندار، يلاحظ قارئها، انه في كثير من الفترات، كان لصيقاً وقريباً من الاختلاط بالمناضلين العرب، ومن القوميات الآخرى. وهذا ما يعطي مذكراته، بصفته مناضل شيوعي كردي، أهمية متميزة. وسيلاحظ القارئ كذلك ، تأكيد حرص الكاتب على " وحدة الحركة الوطنية العراقية التي ستظل أساس النجاح في العمل المشترك، وتغليب مصالح الوطن والشعب، على أية مصلحة أخرى ". كما جاء في الكتاب. ان الغالبية الساحقة من الشيوعيين الأكراد، قد تربوا، بالأمس، على هذه الروح الوطنية، والحرص على وحدة العراق الوطنية، إلى جانب نضالهم من أجل الإقرار بالحقوق القومية للشعب الكردي، وللاقليات القومية. من هنا أهمية دور التيار الذي ظل مؤمناً بمفاهيم الماضي السليمة، رغم صغر هذا التيار وضعف صوته مؤقتاً. وشوكت خزندار هو أحد رواده. وأود أن أشير إلى ان الموضوعات الختامية من المذكرات، قد تناولت بصورة واضحة، العلاقة الجدلية، بين التنكر لمبادئ الشيوعية وحزبها، وبين التنكر للوطن والوطنية، والتواطؤ مع غزاة الوطن. وقد أبديت وجهة نظري تجاه بعض الوقائع والاحداث، وتجنبت الوقوق عند أحداث أو وقائع أخرى، لا أعرفها، أو لا أتذكرها، وهي كثيرة. أن الأزمة التي انتهت اليها ثورة 14/ تموز / 1958، تعمقت بتأثير التناحرات بين القوى الوطنية التي أسهمت بنضوج عوامل الثورة وحققت نجاحها. كان آخر صور تلك التناحرات، مجازر 8 / شباط / 1963 الدموية، وما أعقبها. وقد شجع هذا الوضع المأساوي الجميع على البحث عن سياسات تقرّبهم وتخدم المجتمع. ومن هنا كانت الدوافع لتبني خط آب 1964. لابد أن نلاحظ ان إعادة النظر، وبعض الميول نحو التصحيح ونحو تبني سياسة عقلانية، قد نضجت آنذاك، ليس في الحزب الشيوعي العراقي وحده، بل كذلك في حركة القوميين العرب وفي حزب البعث وفي الحركة الكردية وفصائل أخرى وبالطبع بدرجات متفاوتة. لكن هاجس التصحيح من جانب الشيوعيين الذي كان ضرورياً، قد شابه اثناء وضع خط آب 1964، الكثير من الأوهام البعيدة عن الواقع، وحمل الكثير من المفاجأة والقليل من التأني وإطالة النقاش الداخلي. فكانت النتيجة ان الحزب أضاع فرص التصحيح لبلوغ الموقف الثوري العقلاني، الذي سيمكنّه من إقامة جبهة عريضة قادرة على التغيير في العراق، وليس الغرق في أوهام البحث عن الادوار المنفردة لهذا الحزب السياسي أو ذاك، كما فعل الجميع. وفي عامي 1965 ــ 1966، نضج في الحزب الرفض لذلك الخط ولتبني ما سمي بــ " العمل الحاسم " الذي يهدف إستلام الحزب الشيوعي السلطة آنذاك. كانت خطة " العمل الحاسم "، في جوهرها ردة فعل عنيفة ومتعجلة لرفض الخطة السابقة التي اعتبرت : يمينية ذيلية، تصفوية. في خطة " العمل الحاسم " أغرقت الحزب الشيوعي في نمط متميز، وحتى ساخر من " مرض الطفولة اليساري "، وكانت تمهيداً لأنقسامه، في ايلول 1967 تحت نفس الواجهة وهي رفض الخط اليميني الذيلي التصفوي ! وعندما أعلنت ( القيادة المركزية ) طروحاتها السياسية والفكرية في التأريخ الوارد اعلاه، فانها أغرت بعض القوى الوطنية، من غير الشيوعيين، ببعض تلك الطروحات وخاصة : رفض قرار تقسيم فلسطين، وتحميل الاتحاد السوفيتي المسؤولية عنه، والتبرؤ مما سمي " ذيلية الاحزاب الشيوعية للأتحاد السوفيتي " وأخيراً التوجه لأخذ السلطة السياسية في العراق. لكن ذلك الاغراء لم يدم طويلاً، حيث إنتهت سياسة ( القيادة المركزية ) وممارساتها، إلى التصعيد في التطرف اليساري وفي الانعزالية السياسية. وكان ذلك مقتلها. ان القمع الفظ الذي استخدم ضدها قد عجل فقط في ذلك المقتل، وليس هو سببه. ولو شئنا البحث عن وجود تيار عقلاني في الحركة الشيوعية العراقية، في العقود الثلاثة الماضية، أستطيع أن أقول ان مثل هذا التيار كان موجوداً. وقد سعى للتأثير والعمل. لكنه حاول العمل وسط صعوبات كبيرة وحتى خارقة. حين مشاركة الحزب الشيوعي العراقي، في تجربة الجبهة الوطنية والقومية التقدمية ( 1973ــ 1978 )، فان التيار الثوري العقلاني في الحركة الشيوعية، قدم مساهمة متميزة في نجاحها. وفي ذات الوقت، فان هذا التيار بالذات، هو الذي تلقى، بعد فشل الجبهة وانهيارها، الضربات الأولى، وجرت تصفيته من قبل نظام الاستبداد. ربما كانت تلك الحال نفسها، تنطبق أيضاً على مصير التيارات السياسية العقلانية داخل حزب البعث الحاكم، وفي حركة القوميين العرب، وفي الحركة القومية الكردية، وفي ( الحركة الصدرية )، وغيرها من الحركات. من هنا انتعشت مجدداً، الفرص لسيادة تيار التطرف اليساري وتمثل ذلك باعلان ( الكفاح المسلح في جبال كردستان ) من جانب الحزب الشيوعي، ولحقبة امتدت نحو عشر سنوات. ان تجربتنا في العراق، تشير في أحد جوانبها، إلى ان الاستبداد قد تفاعل مع ضعف الوعي والتكوين السياسي في الحزب، ومع تمزق صف القوى الوطنية السليمة، لينجم عن ذلك انتعاش التطرف اليساري مجدداً، ثم البحث عن حلول خارجية للأزمة داخل العراق. فتيار التطرف اليساري، كمنهج سياسي، لم يقرّب قوى التغيير الثوري من اهدافها، بل أبعدها عنها، كما دلت تجربتنا الملموسة في العراق. كان تيار التطرف اليساري، في النتيجة، الوجه الآخر لليمين الذيلي، وصار مرتعاً لتمرير فكر التخاذل أمام الاستبداد بالامس، ثم أمام الغزو الاستعماري الاجنبي اليوم. ان بعض القادة الشيوعيين، الذين بالغوا بالامس بتعليق الآمال على الجبهة الوطنية الماضية، يبالغون بايتذالها وطمس أي جانب إيجابي فيها. ومع تنكرهم لفكرة الجبهة الوطنية أساساً، فهم أقاموا فعلاً جبهة عريضة لكنها غير وطنية. وتبقى فكرة الجبهة الوطنية الشاملة من أجل تحرير الوطن ومن أجل التغيير ! عند الوطنيين الصادقين، مهمة اليوم، أكثر مما كانت بالامس. من المهم جداً لنا، عند الكتابة عن التاريخ، التوقف عند الظاهرات العامة، وعند المنعطفات السياسية المهمة. ومن خلال ذلك، يمكن ومن الضروري، تناول أدوار الشخصيات وكذلك الصراعات بين القادة. ولكن تلك الهفوات والاخطاء، تبقى، في النهاية، متصلة بمدارك جيل العاملين السياسيين أو الاجتماعيين، وبمدى نضوج مؤسساتهم النضالية، ومنها الحزب السياسي، وأخيراً بمدى التطور في الحياة السياسية، والحزبية في البلاد، في الفترة المعنية. واليوم، صار من الضروري جداً، تركيز الجهد الأكبر على البحث عن عوامل الانحرافات والردات السياسية للافراد والمؤسسات السياسية، ليس في العراق وحده، بل على الصعيدين العربي والعالمي أيضاً. |
||||||||