حجم اصغر

حجم اكبر

لطباعة الصفحة
لفتح الصحة علي برنامج : WORD
لفتح الصحة علي برنامج : ADOBE

قيادة الشيوعي العراقي تنكّرت لوطنية حزبها

إنها كلمة حق أريد بها عين الحق، ما كتبه حسين العودات، من سوريا، فيما قال: "من المؤسف والمحزن، أن يتوج الحزب الشيوعي العظيم نضاله المجيد وتاريخه المشرف وتضحياته التي عز مثيلها، أيام الحكم المنهار (فقد كان أكثر أحزاب العراق تضحية وبذلاً)، بأن يكون موظفاً لدى الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر، وبقرار من هذا الأخير.

صوت طيب دخل قلوب وأفكار المئات من العراقيين، من الشيوعيين أولاً، ومن الوطنيين الآخرين في بلدان عديدة، تلقفوه باعتزاز، لأنهم بحاجة ماسة إليه. كي أوضح حقي في الحديث عن مواقف الحزب الشيوعي العراقي، أود أن اذكر أني وجهت في تشرين الأول/2002، أي قبل الحرب الكارثية على العراق بخمسة أشهر، مذكرة الى الأحزاب الشيوعية والعمالية والتقدمية، وقابلت بعضاً من قادتها وقلت في مطلع المذكرة ما يلي:
"إني أكتب رسالتي هذه لبعض ممثلي الرأي العام التقدمي من أحزاب وشخصيات تربطني بهم علاقات طيبة، قديمة أو حالية، وأوضح لكم إني كنت قد انتميت للحزب الشيوعي العراقي منذ حزيران 1948 وصرت عضواً في لجنته المركزية عام 1959 وفي مكتبه السياسي عام 1962، ومسؤولاً عن قسم التنظيم في اللجنة المركزية في أغلب الفترات بين أعوام 1963 – 1984".

ويهمني أيضاً تعريفكم بأني كنت الشخصية الأولى، ضمن قيادة الحزب الشيوعي العراقي، ممن تولوا إعادة بنائه بعد ثلاث حملات قمع وتصفية قاصمة وجهت للحزب في أعوام 1963 و1971 و1978.

هذا إضافة إلى دوري المعروف في عمليه إعادة البناء بعد المجزرة الدموية وحمله التصفية التي قادها ضد الشيوعيين حزب السيد جلال الطالباني في أيار 1983.

وقلت في مذكرتي هذه أنه قد حدث انتقال في الحزب مؤخراً، من المبالغة في الأممية، إلى التأثر بما هو نقيضها في العصر الراهن، وأقصد به ذهنية العولمة تحت السيادة الأميركية.

إن المسؤولية الأولى للسلطة العراقية وحزبها الحاكم، هي أنها أغلقت الطرق وسدت المنافذ أمام فرص وقف نزيف الدم الداخلي، وأمام فرص الحل السلمي الداخلي، وأمام فرص الحل الديموقراطي للأزمة الداخلية في العراق. وهذا ما يلقي الضوء على أحد الأسباب المهمة لسعة قاعدة القوى والشخصيات، التي صارت تراهن على أرجحية الحل الأجنبي، كمنقذ للعراق، وذلك لسعة نطاق الخيانة للوطن والعمالة المباشرة أو المستورة للأجنبي.

إن نقاشات كثيرة جرت، وما تزال تجري بين الشيوعيين والوطنيين العراقيين، حول المعطيات والمسؤولية عن سرقة أموال الحزب الشيوعي العراقي، وهي تتعلق بمبالغ تقدر بملايين الدولارات، إلى جانب الاستيلاء على بعض مؤسساته الثقافية والاقتصادية.

ورغم أهمية هذه القضية، إلا أن ما يقدم عليها هو أهمية البحث في المسؤولية عن سرقة وطنية هذا الحزب المكافح، وسرقة تراثه النضالي وأمجاده الوطنية. وأخيراً إزاء النقاش حول أية جهة هي التي يمكن أن تحفظ للحزب، حاضراً ومستقبلاً أصالته النضالية، الوطنية والقومية والإنسانية، وإزاء مهمات تجديده ليعود إحدى القوى المهمة في النضال العراقي والعربي والعالمي من أجل التغيير والاشتراكية.

في ختام مذكرتي اقترحت على تلك الأحزاب: "مطالبة الأطراف العراقية، التي سارت في الطريق الخاطئ، كما أوضحنا في مذكرتنا، العودة عن تلك المواقف وتصحيحها، ومن أجل تعزيز وحدة الوطنيين العراقيين ومن أجل قيادة وطننا العراق نحو شاطئ السلامة. ونعتبر ذلك أحد أشكال التضامن الأممي والأخوي الفعالة والمجربة".

ومن المفيد أن يسمع الناس أيضاً، صوت المئات ممن يعتزون بتراث الماضي الشيوعي في العراق ويسعون لإحيائه وتجديده ولكن من دون أختام ونجوم لامعة.

وأحد هؤلاء القائد الشيوعي والنقابي العمالي آراخاجا دور، الذي واكب نضال الحزب الشيوعي لمدة تقرب من ستين عاماً.

ولمن احتجوا على الرأي النافذ الذي كتبه في جريدة "السفير"، الأستاذ حسين العودات، فإني أسوق لهم وللرأي العام ما كتبه أراخاجا دور من شروحات لمعالم التدهور في سياسة قيادة الحزب الشيوعي. وفي رسالة له نشرت في أيلول 1998 قال آراخاجا دور:
"كشف مكتب الإرسال بعض جوانب زيارة حميد مجيد موسى سكرتير الحزب الشيوعي العراقي إلى أمريكا. في البداية هو لم يتجرأ على إعلان طبيعة زيارته.. إن العقلية التي بدأت تتسرب إلى أوساط المهيمنين الحاليين على قيادة الحزب، بدأت منذ زمن طويل تطرح التساؤل المشبوه بصدد العلاقة مع القوى الإمبريالية لماذا على الآخرين حلال وعلينا حرام أي لماذا الآخرين يتصلون بأميركا ونحن لا؟! إذن هكذا تساوت رؤوس القوم.

إننا ندين الزيارة وطريقة التفكير التي أدت إليها، وندين الزيارات الأخرى المماثلة، وندين التعويل على أمريكا ولا نرى في سياسة "عدو عدوي صديقي"،  ما ينسجم مع طبيعة وتاريخ الشيوعيين العراقيين الذي يمتد عميقاً في التاريخ الوطني لشعبنا.

لا نتحدث هنا عن القائدين الوطنيين فهد وسلام عادل اللذين حفظا وصانا الشرف الوطني لحزبنا تحت أقسى الظروف والمحن التي حلت بالشعب وبهما شخصياً، إن أميركا بحجة إسقاط النظام تريد في الواقع إسقاط المناضلين العراقيين وحسب. وقال آرا في رسالته: "لا نتمنى أن نرى حميد مجيد في هذا الموقع".

لكن أمنياته الطيبة وأمنيات الألوف من المخلصين قد خابت للأسف.

تغطي قيادة الحزب الشيوعي، سياسة التواطؤ مع المحتلين، باستثارة العاطفة الشعبية، وخصوصاً التركيز على مخاطبة عواطف ضحايا القمع الدكتاتوري والمقابر الجماعية. وصارت صور شهداء الحزب تغطي جدران مكاتب مقراته، لهذا الغرض.

وأود أن أذكر أن أحد كوادر الحزب الشيوعي فقد من أقربائه فقط، وفي مدينة النجف الأشرف والسماوة (43) شهيداً في فترة الطغيان الدكتاتوري. ورغم هذه المأساة الشاملة، فقد ظل ذلك الشيوعي، كما كان قبلها وطنياً يرفض المتاجرة بضحاياه أو تأييد السياسة التي تبيع الوطن لغزاته وناهبيه الأمريكيين والإنكليز.

اللافت للنظر، أن قيادة الحزب، تزجّ الآن، وفى حمله منظمة بالكثير من أعضاء القيادة المتقاعدين، الذين أسهموا في صياغة منهج الردة.

وللحملة هذه أهداف عديدة. في مقدمتها الطعن بالعروبة والتنديد بالعرب شعوباً وحكومات، بدعوى أنها ساندت الدكتاتورية التي سقطت في العراق، وبوصف ذلك، سقوطاً للفكر القومي الذي لم يقدم للعرب منذ خمسين عاماً، سوى الهزائم!

إن شعار هؤلاء، كما هو شعار كثرة من المرتدين: العراق أولاً وهم لا يقصدون بذلك، في الجوهر سوى: أمريكا وإسرائيل أولاً.

في ختام مقالة الأستاذ حسين العودات قال: "نتمنى أن تكون هذه الزلة، مجرد ردة فعل غير متأنية نتيجة مأساة الحزب أيام النظام السابق..".

لكن حقائق الصراع الطويل الأمد داخل هذا الحزب، وفي وسط الحركة الوطنية العراقية كلها، تؤكد أن تلك الخطيئة، لم تكن مجرد زلة يمكن النهوض منها. فهي نتاج سياسة طويلة الأمد كما أوضحنا.

إن قساوة الدكتاتورية وطول آماد القمع، كانت التربة الخصبة لسعة قاعدة الردة في العراق. لكن يوجد في العراق أيضاً الشعب الوطني ونضاله الوطني الثابت. ولذلك فإن خيانة الوطن والتواطؤ مع محتليه وناهبيه، تبقى سوداء دائماً ولا يمكن أن ترتدي أثواباً وردية.

وأنا معه في تساؤله: "ما هي مواقف الماركسيين، أفراداً وأحزاباً شيوعية في البلدان العربية؟ ألا يتوجب عليهم أن يقولوا كلمة ناقدة لمواقف الحزب الشقيق. وحسب التعابير الدينية أن يتبرأوا من هذه الهرطقة؟" لا يكفي قول كلمة الحق. بل إن خلاص الماركسيين والشيوعيين، أحزاباً وشخصيات، من هذه "الهرطقة"، هو إنقاذ لمبادئهم وإنقاذ لمستقبلهم.

 

"السفير" 28/8/2003

باقر ابراهيم © http://www.ibaqir.net