حجم اصغر

حجم اكبر

لطباعة الصفحة
لفتح الصحة علي برنامج : WORD
لفتح الصحة علي برنامج : ADOBE

مناقشة لبيان الحزب الشيوعي العراقي

الديمقراطية ودولة القانون رهن بصد العدوان الأمريكي

من المعروف لكل الذين قرأوا قرار مجلس الأمن المرقم (1441)، حول نزع أسلحة الدمار الشامل في العراق بأنه قرار جائر، يهيئ لحرب عدوانية تدميرية تنوي شنها أمريكا وبريطانيا وإسرائيل، بالدرجة الأساسية.

إن ضغوط الدول المعترضة في مجلس الأمن، وخاصة فرنسا، وروسيا والصين، وجامعة الدول العربية، وضغوط الشارع الأمريكي، والعالمي والإسلامي، كلها أفلحت فقط في تخفيف عدوانية ذلك القرار. ومن المعروف أيضاً، إن القرار هذا، قد أعدته وأصرت على إمراره، في مجلس الأمن، منذ شهور طويلة، الولايات المتحدة الأمريكية، بقيادة اللوبي الصهيوني المستأثر بالدور الأكبر فيها.

إن التعديلات التي أجرتها الدول والجهات المعترضة، داخل مجلس الأمن وخارجه، تناولت فقط تخفيف عدوانية ذلك القرار الجائر، الذي ينتهك بفظاظة، استقلال بلد عضو في الأمم المتحدة.

وقد تجلى ذلك التخفيف، بالدرجة الأولي، في إلغاء حق الإدارة الأمريكية في شن الحرب على العراق، فور إعلان رفضه له.

إن قبول الدول المعترضة في مجلس الأمن، وقبول الجامعة العربية له، وأخيراًَ قبول العراق، كان بدوافع السعي لرد ومواجهة الذرائع المفتعلة التي حاولت، وما زالت تسعى لاختلاقها الجهات المصرة على حرب العدوان، والتي حبكت هذا القرار الجائر.

إننا كمعارضين وطنيين، نظرنا إلى هذا القرار بهذا المنظار، فقد كنا حريصين أشد الحرص، أن تسود الحكمة القرار الرسمي العراقي، وأن يقبل بقرار مجلس الأمن رقم (1441)، سعياً إلى المزيد من كسب الوقت، والمزيد من الجهد الوطني والعربي والعالمي، لمنع قيام حرب مدمرة، لا تبقي ولا تذر.

هذه مقدمة للبدء بمناقشة البيان الذي أصدرته إحدى القوى السياسية العراقية التي يفترض فيها أن تكون سباقة في إدراك الحقائق المارة الذكر، واقصد البيان الذي أصدره الحزب الشيوعي العراقي في 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 2002، بعنوان: "لتتضافر الجهود من أجل استبعاد خطر الحرب نهائياً وإنقاذ شعبنا من الدكتاتورية".

يبدأ البيان بالقول: "أخيراً أفلح مجلس الأمن الدولي في التوصل إلى صيغة توافقية.. وتنفس الناس الصعداء في كل مكان!".

لقد تضمن بيان المكتب السياسي، إشادة صحيحة بمواقف "الأطراف التي ترفض الهيمنة والإملاء والإخلال بالشرعية الدولية، وتطالب بقطع الطريق على خيار الحرب الاعتباطي، وباعتماد الوسائل السلمية في تطبيق قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة".
ولم أتوصل إلى إدراك مغزى تلك الرقة والسلاسة في وصف الحرب العدوانية بـ"خيار الحرب الاعتباطي".
إن الانتقادات التي يوردها بيان المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي، لقرار مجلس الأمن تنحصر في كون القرار: "ينطوي  على تعقيدات ولا يخلو من غموض والتباس في بعض فقراته".

ولا يمكن عزل هذا الاختزال لأخطار وأضرار قرار مجلس الأمن، عن تلك الرقة والسلاسة التي أشرنا إليها.

وليس من باب المصادفات، أن بيان المكتب السياسي، يتجاهل عمداً، الحقيقة التي أعلن عنها حتى مفتشو الأمم المتحدة، عن تخلص العراق مما يبلغ 95% من أسلحة الدمار الشامل التي كانت لديه حتى عام 1998، والتي تم تدميرها بإشرافهم.

وليس من باب المصادفات أيضاً، أن المكتب السياسي، يتغافل عمداً عن حقيقة أن مدبجي القرار (1441) ليس غرضهم إزالة ما يسمى بأسلحة الدمار الشامل، بل إرضاخ العراق لمشيئتهم.

نحن نستذكر تأييد الحزب الشيوعي للحصار الجائر والمطالبة بتشديده، والإصرار على اتهام العراق بعرقلة أعمال لجان التفتيش، حتى بأن للجميع قيامه بأعمال التجسس لصالح أمريكا وإسرائيل.

إن تحذيرات المكتب السياسي، لا تتجه إطلاقاً إلى عدوانية وشراسة ومكر وخداع المعتدي الأمريكي، بل إلى النظام العراقي بوصفه العدو الوحيد المستهدف لكن الواقع يؤكد أن العراق كله هو المستهدف.

الشاهد على ما أذكر نصت عليه الأفكار التالية في بيانهم: "هذه الفرصة، يتوجب استثمارها في ممارسة المزيد من الضغط على النظام الحاكم في بلادنا لمنعه من لعبة القط والفار، وتحذيره من المناورة والمراوغة على الزمن".

"ويكفي للوصول إلى ذلك (أي استبعاد امتحان الحرب)، أن تتعامل الدكتاتورية الحاكمة بصدقية وحسن نية وشعور بالمسؤولية مع القرارات الدولية التي ارتضتها لنفسها في خيمة صفوان".

"المماطلة والتسويف وارتكاب أي حماقة، سيكون ثمنها باهظاً جداً".

*          *                *

في أعقاب كل هذه التهديدات "العراقية" للعراق، لا يسعني إلا أن أردد: يالمصداقية وعدالة ونزاهة الرفاق الأمريكان، أصحاب القرار (1441) رغم ما في قرارهم من: "تعقيدات وغموض والتباس، في بعض فقراته"!

إن البيان الذي استعرضت أبرز مضامينه، ينطوي على محاولة قد تشير إلى رغبة قيادة الحزب الشيوعي العراقي في النهوض من وهاد الضلال السياسي الذي وقع فيه.

وربما ترتبط هذه المحاولة بالضغوط وبمطالبات الوطنيين العراقيين باستعادة هذا الحزب المكافح لدوره الوطني والنضالي المجيد.

لكن المكتب السياسي، في بيانه هذا، أخفق في الارتفاع عن تلك الوهاد.

وطبعاً، لا يمكن لمساعينا المخلصة الهادفة لاستعادة هذا الحزب، دوره الفعال في العملية الوطنية، وفي الكفاح من أجل التغيير، أن تلتقي مع المغازلات التي تصب في مجرى إمرار الصفقات السياسية المؤقتة.

لذلك، لا بد من التأكيد، أن بلوغ هدفنا العزيز في الخلاص من الدكتاتورية، وقيام دولة القانون في العراق، ما كان يوماً، ولن يكون بمعزل عن صيانة وطنية العراقيين التي يريد أن يلغيها، أو يشوهها، اليوم بالذات، السيد الأمريكي وأعوانه. وقبل أن يوصف العلاج لإنقاذ وطنية معارضي السلطة، فإن السلطة ذاتها، يستحيل عليها أن تواجه الشراسة الأمريكية- الصهيونية، وتصدها، إلا بشعب حر موحد الصفوف، بجميع تياراته الوطنية. ليخوض بنجاح معارك الصمود والبناء والتطور.

إن نقد مساوئ الوضع في العراق، والسعي للإصلاح، وتقديم المطالب الشعبية التي ستؤمن الإصلاح، كل ذلك يجب أن لا يحجب رؤية المواقف العراقية الصحيحة في التصدي للعدوان والمعتدين، والتي ينبغي أن يدعمها الشعب والرأي العام الخارجي.

فقد كانت، المذكرة التي وجهها وزير الخارجية العراقي، السيد ناجي صبري، إلى الأمين العام للأمم المتحدة في 23 تشرين الثاني (نوفمبر)، وثيقة إدانة شاملة، أوضحت المقاصد السيئة للصائغ الأمريكي لقرار الأمن رقم (1441)، والأهداف في إيذاء وإهانة العراق، وفي اختلاق الذرائع لشن الحرب عليه.

ومما يزيد في أهمية هذه المذكرة، أنها طالبت الهيئات الدولية، التمسك بشرائع القانون الدولي، واحترام سيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، ووضع حد للغطرسة الأمريكية.

وكل هذه المطالب تفيد الآن ومستقبلاً، في تعزيز النضال الشعبي والرسمي، وعلى جميع الأصعدة العربية والدولية، لبلوغها.

"القدس العربي" 6/12/2002

باقر ابراهيم © http://www.ibaqir.net