حجم اصغر

حجم اكبر

لطباعة الصفحة
لفتح الصحة علي برنامج : WORD
لفتح الصحة علي برنامج : ADOBE

مذكرتي للأحزاب العربية

الرفاق الأعزاء
تحية واحترامات

إني أكتب رسالتي هذه، لبعض ممثلي الرأي العام التقدمي، من أحزاب ومنظمات وشخصيات تربطني بهم علاقات طيبة، قديمة أو حالية. وأوضح لكم أني كنت قد انتميت للحزب الشيوعي العراقي منذ حزيران 1948 وصرت عضواً في لجنته المركزية عام 1959 وفي مكتبه السياسي عام 1962. ومسؤولاً عن قسم التنظيم في اللجنة المركزية في أغلب الفترات بين أعوام 1961- 1984.

ويهمني أيضاً تعريفكم بأني كنت الشخصية الأولى، ضمن قيادة الحزب الشيوعي العراقي.. ممن تولوا إعادة بنائه بعد ثلاث حملات قمع وتصفية قاصمة وجهت للحزب في أعوام 1963 و1971 و1978 هذا إضافة إلى دوري المعروف في عملية إعادة البناء.. بعد المجزرة الدموية وحملة التصفية التي قادها ضد الشيوعيين، حزب السيد جلال الطالباني في أيار 1983.

وبسبب خلافاتي السياسية والفكرية مع قيادة الحزب فإنها اتخذت قراراً مجحفاً متسرعاً بفصلي من الحزب في أكتوبر 1989. وكان ذلك القرار جزء من حملة قمعية واسعة، شملت المئات من قادة وكوادر الحزب. ومنذ ذلك الوقت وحتى اليوم وأنا أمارس نشاطي السياسي كشخصية وطنية يسارية مستقلة. إن اعتراضاتي على سياسة قيادة الحزب هي جزء من تيار واسع معارض. يشمل المئات من نشطاء الكوادر ذوي التاريخ النضالي العريق والكفاءات العالية. لذلك فإن صفتي الشخصية تندمج مع حقيقة وجود تلك الظاهرة العامة بين الشيوعيين العراقيين ويمكن اعتباري صوتاً من أصواتها.

كما أضيف بأن هذه الرسالة قد أطلع عليها وأيدها العشرات من هؤلاء الذين تحدثت عنهم. إن الدافع لكتابة هذه الرسالة الإيضاحية، هي شعورنا بالمسؤولية الوطنية أولاً. ثم بالمسؤولية تجاه ماضي ومستقبل الحزب الشيوعي العراقي ثانياً.

نحن لا نوافق أن يشوه أو يمسخ التاريخ النضالي المجيد لهذا الحزب الجماهيري العريق أو لمستقبله الذي تود الجماهير العراقية وكذلك أصدقاء الحزب في الخارج أن يظل نظيفاًَ ومشرفاً.

من المعروف أن الحزب واجه حملة السلطة العراقية ضده.. وضد جميع القوى الأخرى المختلفة معاً في عام 1978 وما رافقها من قمع بوليسي شرس وتشديد قبضة هيمنة الحزب الحاكم وتحطيم الجبهة الوطنية والقومية التقدمية التي كانت قائمة منذ تموز 1973. ومعروف كذلك ما أعقب تلك الحملة القمعية الشاملة من اضطرار الألوف من أعضاء وأصدقاء الحزب الشيوعي للهجرة إلى الخارج وتحوله إلى موقع المعارضة للنظام.

لقد كانت الخلافات داخل الحزب محصورة في هذه الحقبة وحتى أواسط الثمانينات، بالموقف من أسلوب مواجهة قمع النظام ومن أسلوب الكفاح من أجل الديمقراطية ومن اللجوء إلى أسلوب (الكفاح المسلح) في جبال كردستان.. في شمال العراق لإسقاط النظام وتحقيق البديل الديمقراطي، وأخيراً، من الموقف تجاه الحرب العراقية.. الإيرانية، وخاصة في فتراتها الأخيرة، حينما تحولت إلى غزو إيراني معاكس للأراضي العراقية.

وللأسف، فإن قيادة الحزب، لم تواجه تلك الخلافات الداخلية، بروح الديمقراطية والصبر والتفهم، المفترضة في الأحزاب الديمقراطية، بل لجأت إلى إجراءات القمع والطرد والعزل داخل الحزب، التي شملت المئات من كادره.

وعند شن حرب الخليج، في كانون الثاني (يناير) 1991، اختلف الموقف تماماً.

فقد تقدم للواجهة، كسبب للاختلاف بين الشيوعيين العراقيين، الموقف من الحرب العدوانية،. والحصار الذي فرض على العراق من قبل الإمبريالية العالمية، وعلى رأسها أمريكا. فقد كان موقفنا، إدانة احتلال العراق للكويت والمطالبة بالانسحاب الفوري للجيش العراقي منها، والاعتراف باستقلالها والحفاظ على علاقات الأخوة مع شعب الكويت الشقيق، كما أيدنا أيضاً الاستعانة بالحل السلمي من جانب الدول العربية والصديقة المحبة للسلام. وكان ذلك الحل ممكناً. وكاد أن ينجح، لولا التقصد الإمبريالي، والتواطؤ الرجعي الهادف لسد الطريق أمام هذا الحل، ولفرض حرب تدمير العراق.

وقد أطلع الرأي العام العالمي على نتائجها المأساوية، المخطط لها مسبقاً، على شعب العراق وعلى شعوب المنطقة. وواضح للجميع أيضاً ما نجم عن تلك الحرب الهمجية من شق الصف العربي وإضعاف مقاومة الشعب الفلسطيني ونضاله لتحرير وطنه ومقاومته العدوان الإسرائيلي.

إننا، في موقفنا الذي ذكرناه، كنا على خلاف حاد مع مواقف قيادة الحزب الشيوعي العراقي، التي اتخذت المواقف السياسية التي تصب في النتيجة، في تبرير العدوان على العراق وتأييد الحصار عليه والمطالبة بتوسيع الحصار وتشديده، والتعاون المباشر مع جهات العدوان والحصار، وحتى استلام المساعدات المادية من تلك الجهات، وأن الوقائع بهذا الخصوص كثيرة ومعروفة.

نحن، إلى جانب كل الوطنيين العراقيين، ومن مختلف الاتجاهات السياسية والفكرية، ناضلنا، بل مارسنا ضغطاً شديداً على قيادة الحزب الشيوعي العراقي، وكل الأحزاب والمنظمات والشخصيات التي سارت في هذا الطريق الخاطئ. فقد اعتبرنا السير في هذا الطريق، هو في جوهره، تعاون مع الأعداء ضد شعبنا ووطننا، وتنكر للواجبات الوطنية والقومية والإنسانية، تحت واجهة: (النضال  من أجل تحقيق البديل الديمقراطي) في العراق. وبرعاية تلك الجهات المعادية بالطبع.

خلال السنوات العشرة المنصرمة، فإن قيادة الحزب الشيوعي، بدلاً من أن تتراجع عن تلك السياسة الخاطئة، وتعدلها، فإنها انسحبت شكلياً من المنظمة التي كونتها ومونتها دول العدوان وخاصة أمريكا، كمنظمة (المؤتمر الوطني العراقي). لكنها، ظلت في الجوهر، على السياسة السابقة نفسها.

ومن بين الشعارات التي اعتبرتها تغيراً في الموقف، المطالبة برفع الحصار عن العراق، دون قيد أو شرط. لكنها ظلت تقرن هذا المطلب بتشديد الحصار السياسي والعسكري والدبلوماسي على النظام، وتأييد مناطق حضر الطيران على العراق في الشمال والجنوب وتأييد ما يسمى بـ"المناطق الآمنة" والمطالبة بتوسيعها، وكذلك المطالبة بأن تتولى "الأمم المتحدة"، حتى توزيع الأغذية والأدوية على سكان العراق. ومعروف عندنا ماذا تعني "الأمم المتحدة" في الواقع الدولي.

من كل ما مر من ايضاحات، يمكن الاستنتاج، أن قيادة الحزب استمرت في الجوهر، على نفس السياسة الخاطئة السابقة، التي انتهجتها خلال العدوان على العراق. أما موقفها من مخالفيها في الرأي، فللأسف، نقول بأنه موقف يناقض كل ما يدعون من الاحترام لحرية الرأي والرأي الآخر والانفتاح على الجديد.

وأكثر من ذلك، نوضح لكم، بأن الكثير من تنظيمات الحزب الشيوعي، ومسؤوليها تحولوا إلى مخبرين للأجهزة الأمنية في دول اللجوء، وبعض دول الجوار، وراحوا ينشرون، حتى في صحافتهم، المعلومات عن شخصيات المخالفين لهم بالرأي بوصفهم "عملاء للنظام العراقي". ويطالبون تلك الأجهزة الأمنية، بملاحقتهم وطردهم.

إن العشرات من كادر الحزب ذوي الماضي النضالي المعروف، يتحدثون جهاراً، أو يكتبون في نشراتهم عن استحواذ قيادات بعض المنظمات الحزبية في الخارج على الأموال، وعلى القرار الحزبي وإصدار صكوك الغفران لأنصارهم، وقرارات التخوين ضد مخالفيهم في الرأي، وخصوصاً ضد من عبروا عن التزامات بالثوابت الوطنية.

من التشوهات السياسية التي لحقت بالحزب الشيوعي، بعد التبدلات في سياسته الوطنية، أنه تحول من حزب تنظر إليه بقية الأحزاب الوطنية، وخاصة الكردية منها، نظرة اهتمام واستلهام، إلى حزب ذيلي للحركة الكردية، ومعدوم التأثير بين الأحزاب الأخرى.

كذلك حدث انتقال من المبالغة في الأممية، إلى التأثير بما هو نقيضها، في العصر الراهن، وأقصد به ذهنية العولمة تحت السيادة الأمريكية.

إن المسؤولية الأولى للسلطة العراقية وحزبها الحاكم، هي أنها أغلقت الطرق وسدت المنافذ أمام فرص وقف نزيف الدم الداخلي، وأمام فرص الحل السلمي الديمقراطي للأزمة الداخلية في العراق. وهذا ما يلقي الأضواء على أحد الأسباب المهمة لسعة قاعدة القوى والشخصيات، التي صارت تراهن على أرجحية الحل الأجنبي والعالمي، كمنقذ للعراق، وكذلك لسعة نطاق الخيانة للوطن والعمالة، المباشرة، أو المستورة لأجبي.

إن نقاشات كثيرة جرت، وما تزال تجري، ين الشيوعيين والوطنيين العراقيين، حول المعطيات والمسؤولية عن سرقة أموال الحزب الشيوعي العراقي، وهي تتعلق بمبالغ تقدر بملايين من الدولارات، إلى جانب الاستيلاء على بعض مؤسساته الثقافية والاقتصادية. ورغم أهمية هذه القضية، إلا أن ما يتقدم عليها هو أهمية البحث في المسؤولية عن سرقة وطنية هذا الحزب المكافح، وسرقة تراثه النضالي وأمجاده الوطنية. وأخيراً إزاء النقاش حول أية جهة هي التي يمكن أن تحفظ للحزب، حاضراً ومستقبلاً، أصالته النضالية الوطنية والقومية.. وإزاء مهمات تجديده ليعود إحدى القوى الهامة في النضال العراقي والعربي والعالمي من أجل التغيير والاشتراكية.

رغم كل هذه الأسباب المؤذية، فإننا تجنبنا أية ردود فعل. وواصلنا دفاعنا عن قضية شعبنا الوطنية، وسعينا للتعاون مع جميع الوطنيين العراقيين، ومن مختلف الاتجاهات السياسية، في قضايا الدفاع عن الوطن، والنضال ضد الحصار والعدوان على العراق، ومن أجل تحقيق الديمقراطية في العراق، تشريعاً وممارسة.

نحن نؤيد الدعوات التي تصدر عن مناضلي وقوى الشعب داخل الوطن وخارجه، من أجل تحقيق هذا الخط السياسي الذي أوضحناه.

إن آخر هذه الدعوات هو ما صدر عن السيد د. مكرم الطالباني، العضو السابق في قيادة الحزب الشيوعي العراقي، وفي قيادة الجبهة الوطنية، وممثل الحزب في الوزارة، وفي تصريح سابق له، إلى مجلة القمة الصادرة في لندن.. العدد الرابع، في (15) كانون الأول 2000 قال: "إن أفضل السبل لعودة الديمقراطية إلى العراق، هو العودة إلى صيغة التحالف الوطني، وتشكيل حكومة ائتلافية، إن وحدة لقوى الوطنية شرط أساس وضروري للخروج من الأزمة الحالية، كي يأخذ العراق دوره في السياسة العربية والدولية". وفي مقابلة لمكرم الطالباني، في بغداد، مع مندوب جريدة "الشرق الأوسط" الصادرة في لندن في 21 تموز (يوليو) 2001، دعا إلى "عقد مؤتمر وطني شامل ومفتوح، من أجل العمل على رفع الحصار عن العراق وبحث مشاكل البلد مع إعطاء كل الضمانات للأطراف المشتركة فيه، بحرية الكلام وسلامة الإقامة والعودة إلى أماكنها إذا شاءت ذلك. وأن المبادأة في هذه الدعوة هي بيد الحكومة في بغداد، إلا أنها لا تعفي الأطراف الأخرى من المسؤولية. وعلى الأطرف الوطنية المعارضة، قطع كل صلة لها الآن بالفئات التي تعتمد في معارضتها على الأوساط الاستعمارية، وأن تشكل جبهة، وإن كانت معارضة للحكومة في الوقت الحاضر لتسمى بـ"المعارضة الوطنية" ويمكن دعوتها إلى حوار إيجابي لإيجاد اصطفاف جديد يتحمل المسؤولية الجماعية، في الدفاع عن استقلال البلاد..".

نحن نعتبر هذه الحلول والمقترحات، خاصة كونها صادرة من داخل الوطن، جديرة بأن تكون موضع البحث الجدي من جانب كل الأطراف والشخصيات الوطنية المخلصة.

ما يهمنا الآن، هو أن نجتمع من أجل حل القضايا الوطنية الملحة، والتعاون مع جميع الوطنيين العراقيين بهذا الشأن، ومن أجل تحقيق الانفراج الديمقراطي في العراق.

كما تجنبنا، ونحن في ظروف الاغتراب، اللجوء إلى أي إطار حزبي منظم يجمعنا. واكتفينا بالحد الضروري المطلوب لمواصلة نضالنا وتنسيق مواقفنا. ومنها إعداد مذكرتنا الحالية.

إننا نحيى جميع الأحزاب والشخصيات التي أعربت عن مواقف التفهم والتأييد لقضيتنا الوطنية العراقية. وهي أحزاب وشخصيات كثيرة وذات مكانة. نعبر لها عن مشاعر الامتنان والشكر لنصرتها قضية شعب العراق خلال مأساته. ونحن نطمح أن يكون هذا، هو موقف جميع قوى الخير والتقدم في أقطار الوطن العربي أولاً، وفي كل بلدان العالم.

كما نقترح عليكم مطالبة الأطراف العراقية، التي سارت في الطريق الخاطئ كما أوضحنا في مذكرتنا، العودة عن تلك المواقف وتصحيحها. من أجل تعزيز وحدة الوطنيين العراقيين ومن أجل قيادة وطننا العراق نحو شاطئ السلامة.

ونعتبر ذلك أحد أشكال التضامن الأممي والأخوي الفعالة والمجربة.

الأول من تشرين الأول 2002
باقر إبراهيم

باقر ابراهيم © http://www.ibaqir.net