حجم اصغر

حجم اكبر

لطباعة الصفحة
لفتح الصحة علي برنامج : WORD
لفتح الصحة علي برنامج : ADOBE

الموت المعلن لليسار الزائف في العراق

تظل تتزاحم الأسئلة عن صخب هذا اليسار الذي أعنيه، خاصة وأنه مازال يدعي بأنه يمتلك حقوق وراثة المجد النضالي لليسار الأول، اليسار الذي سبقه، الحافل بالفداء والتضحية وبالمصداقية الوطنية والمبدئية.

للإجابة عن هذه الأسئلة المتكاثرة، أقدم لقارئي العراقي خاصة، والعربي عموماً، أحدث صرعات هذا اليسار في عالم الإيديولوجيا والمسلك السياسي البراغماتي، لكن هذه الإجابات، ستبدو لقارئها أشبه بمسلسل أو فيلم هندي، بسبب قوة مفاجأتها وغرابتها، خاصة لدى أوساط القواعد والجمهرة المضللة في ذلك اليسار.

هذه مقدمة بسيطة. وفيما يلي أعرض أهم حلقات هذا المسلسل الغريب:
زودني أحد أصدقائي من الوطنيين العراقيين المتابعين بدقة للأحداث، بمقالة منشورة في صفحة هذا اليسار، الذي بدأت الحديث عنه في الانترنت، عنوان المقالة: "بعض من الشأن العراقي". مؤرخة في 15/حزيران/2002

كي لا أطيل على القارئ الشروحات، أبدأ بإيراد النصوص التي تعبر، في هذا المقال، عن محتواه وأبعاده النهائية حين يقول:
ماذا سيفعل الشيوعيون العراقيون إذا ما تم إنجاز (تحرير العراق) على يد الإدارة الأمريكية دون مساهمتهم في ذلك الإنجاز الأمريكي العراقي المشترك؟ لما لا يغيّر الشيوعيون حزبهم إلى حزب ليبرالي، بعد أن لم يعد هناك ضرورة للشيوعية. لأن الإدارة الأمريكية تريدهم حزب من نوع آخر؟ سؤالان بهما في بادئ الأمر، الكثير من الوجاهة لو أردنا دحضهما دون عناية بالصيرورات التاريخية أو حراك المجتمع العراقي.

ـ يتهم الحزب الشيوعي اليوم باليسارية والتطرف والديماغوجية، كونه يتعامل مثلما يقول الاتهام بالمسطرة وبقيم شرف بالية وراديكالية وتعال.

... واليوم وهم متهمون باليسارية والتطرف وإضاعة الفرصة لامتناعهم عن الدخول تحت مظلة المشروع الأمريكي الرامي لإسقاط صدام، فهذا ظرف يفصله عن الأول أكثر من أربعين عاماً.
.. وفي اعتقادي أن الإدارة الأمريكية لن تبخس جهداً لاحتوائهم. وحاولت وتحاول الوصول إليهم وزجهم في فعاليات تقترب من مشاريعها..

وأيضاً يجب التذكر دائماً بأن مشروع الإدارة الأمريكية للتغيير في العراق له معاينات عديدة رغم سرية الإجراءات المتبعة وجهل المروجين العراقيين لفحواه ونواياه. فمجمل النوايا الأمريكية تؤكد دون رياء أو مخاتلة، أسبقية المصالح الأمريكية على أية توجهات أخرى.

وجوهر هذه الأسبقية يتقاطع مع الكثير من مقولات وأفكار اليساريين ورغباتهم تجاه مستقبل وطنهم، كوضع سياسي ومؤسساتي، ولكنها في كل الاحتمالات شروط ملزمة وغير قابلة للنقاش خاصة لمن يريد التعاطي مع سيد العالم المطلق.

.. أيضاً يثار التساؤل عن مدى توافق الأهداف والمصالح الأمريكية مع الثوابت الوطنية التي يريدها اليسار العراقي، ومنها، باختصار شديد الاستقلال الناجز والقرار الوطني. فتلك مسائل تتعارض قطعاً مع تطمين المصالح الأمريكية. والقبول ببرامج الإدارة الأمريكية لعراق المستقبل. يحتم بالضرورة، اختصار الكثير من تلك الثوابت إن لم يلغها جملة وتفصيلاً.

ولو أثير سؤال من باب الفضول عن مقدار ما يخسره العراقيون، إن ارتضوا تطمين المصالح الأمريكية قياساً بما خسروه ويخسرونه يومياً بوجود صدام؟

.. إن الجواب الجاهز لأغلبية مطلقة، لا يتردد في اختيار الركون لتطمين المصالح الأمريكية.
ويحق لنا، بعد كل هذا أن نثير السؤال الأكثر جوهرية وحيوية وفضولاً، والذي يمس الإيديولوجية والتاريخ، ويحفز التعابير الأكثر حدة عن حقيقة علاقة الشيوعيين بشيوعيتهم، ومستقبل علاقتهم بالإدارة الأمريكية.

ـ هل تقبل الإدارة الأمريكية بالشيوعيين العراقيين كما هم عليه الآن، بأفكارهم، بآرائهم، بطموحاتهم؟

.. إن التقارب لن يتم دون أن يكون هناك صلح تاريخي حقيقي. يتحول فيه الأمر، من عوائق إيديولوجية إلى لقاء إيديولوجي. ولن يتم الصلح ذلك دون تخلي الشيوعيين بالكامل عن أفكارهم الماركسية، ليتحولوا حقيقة إلى حزب من أحزاب الديمقراطية الاجتماعية، أو أي نوع آخر.

فهل لدى لشيوعيين القدرة والاستعداد والرغبة على ذلك الصلح التاريخي، أو بالأحرى الهجر التاريخي، والذي استغنوا عنه وتركوه وراء ظهورهم في مؤتمراتهم الأخيرة..؟

هذا هو جوهر الأشكال ولن يجيب عليه أحد سوى الشيوعيين أنفسهم.

*             *                *

انتهت المقتطفات من هذه المقالة اللافتة للنظر، وهي مطولة كما يرى القارئ ولكنها مثيرة وهامة، ومكتوبة بعناية كبيرة، كما يلاحظ من يدقق فيها.

إنها تعبر عن مشروع متكامل لمنهج المستقبل وتفصيلاته أيضاً.

ولكي لا تكون هناك أية شكوك أو ترددات تجاه المشروع الأمريكي الذي يراد القبول به، فإن محتوى المقال، يقطع الطريق أمام أية شكوك وهواجس تجاه النوايا الأمريكية.

إن محتويات هذا المشروع، ذات دلالات واضحة، تغنينا عن الكثير من الشروحات والتفسيرات لها. لكننا لا بد أن نربطها بما سبقها من سياسات طويلة الأمد وخطط ومشاريع رسمت لتحطيم واحدة من أكبر قلاع الفكر والنضال التقدمي الاشتراكي في الشرق الأوسط – الحزب الشيوعي العراقي -.

وهذا المشروع الذي نحن بصدد الحديث عنه، هو حلقة الإجهاز النهائي على تلك القلعة التي كانت حصينة وعصية على الاقتحام.

لقد دوّخنا اليسار المزيف، ودوّخ العالم بأطروحاتهم التي تتضمن أحكامهم القاطعة عن التمسك بثوابت النضال الوطني والمبدئي، وبالنضال من أجل الديمقراطية. لكنهم بدأوا بقبول الحصار والعدوان على وطنهم، ثم راحوا يبشرون تدريجياً بصواب وجدوى التعاون مع أمريكا.

ولتخفيف وطأة الدعوة لذلك التعاون كانوا يسمونه: التعامل مع العامل الدولي، وبعد أن تم تدويل القضية العراقية.

إنهم يرحبون بتدخل العامل الدولي على أن يكون هذا التدخل واضحاً ونزيهاً!

أخيراً، تأتي الخاتمة. هذا الموت المعلن لليسار الزائف في العراق.

ولكن ليس للعراق وحده بل لكل اليسار في هذه الشاكلة في العالم العربي. إن المقالة التي عرضت على القارئ أهم ركائزها، هي بالون الاختبار لتشييع جنازة اليسار المنهار.

وإذا كان لا بد من خطاب أو جهة لمن يعنيهم أمر هذه الدعوة الجاهرة بالردة، فإني أخاطب جمهرة المضللين من أتباع ذلك اليسار، كي يبصروا النهاية المأساوية التي يراد جرهم إليها.

كذلك يوجه الخطاب إلى تجمعات حركات التحرر الوطني العربية، أو اجتماعات اليسار العربي التقليدي، التي تعقد بين آونة وأخرى وتضفي على يسارنا العراقي صفات الكفاح من أجل التقدم وتمنحه بركات التضامن معه ضد الإرهاب والقمع والدكتاتورية، في وطنه الأم، أن ينتبهوا لما يراد له أولاً، ولهم بالذات ثانياً، من نتائج مفجعة هي أكثر إيلاماً ومأساوية من فواجع القمع والاستبداد والدكتاتورية، مع الاعتذار المتواضع من يساري يتهم باليمينية.

"القدس العربي" 5/7/2002

باقر ابراهيم © http://www.ibaqir.net