حجم اصغر

حجم اكبر

لطباعة الصفحة
لفتح الصحة علي برنامج : WORD
لفتح الصحة علي برنامج : ADOBE

هل ضاعت البوصلة أم فقد القباطنة أبصارهم؟

 

لوحظ في أجهزة الإعلام مؤخراً، تزايد الفعاليات واللقاءات بين بعض أطراف المعارضة العراقية، والأوساط المتنفذة في الغرب وكان من بينها اللقاءات التي دعت إليها، تلك الأطراف، وزارة الخارجية البريطانية؛ كما نشر في إعلام الحزب الشيوعي العراقي في الخارج ما يشير:
"إن الرفيق حميد مجيد موسى سكرتير اللجنة المركزية، التقى يوم الاثنين 15/12/1997 السيد ديريك بلوملي مدير قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في وزارة الخارجية البريطانية. وأكد الرفيق موقف الحزب الداعي إلى رفع الحصار الاقتصادي عن الشعب وإبقاء العقوبات الدبلوماسية والعسكرية على النظام والاستمرار في عزله".

حسناً! وما الذي كانت تدّعيه أمريكا وبريطانيا وبقية الدوائر المعادية للعراق، غير هذا؟
ما الذي يقولونه، ليبرروا استمرار حصار التجويع، والتدمير وألاعيب فرق التفتيش في العراق، بحثاً عن "أسلحة الدمار الشامل" وفي الواقع بحثاً عن مبررات تكرار العدوان وتدمير ما تبقى في العراق عن طريق حشد الأساطيل والقوات البرية والجوية حول العراق، وخرق حرمة أراضيه وسيادته وقتل أطفاله؟

هل تمكنت طائرات الشبح، وصواريخ توما هوك وكروز، المحتشدة الآن على حدود العراق، أن تميّز بين الشعب والحكومة؟ وهل نجت من ضرباتها ملاجئ المدنيين وأسواق الكوت والرمادي والسماوة والمؤسسات المدنية التي دمرت عمداً في الحروب السابقة؟

أهكذا ينبغي أن يتصرف الوطنيون والقوميون والديمقراطيون العراقيون وهم يواجهون الحصار التدميري التجويعي المقرر استمراره دون نهاية، ويواجهون مخاطر تكرار العدوان على بلادهم؟
وهل فهمت شعوب العالم، التي تضامنت مع العراق، أمام هذا الخطر، مثل ذلك "التمييز" الذي يدعو له الحزب الشيوعي الآن؟

هل فهم الأمر كذلك شعب فلسطين الذي يتضامن يومياً مع العراق وهو يعاني الاحتلال والحصار والمجازر الإسرائيلية، أم شعب مصر الشقيق، الذي بعث بمليون توقيع، وبالأدوية والمساعدات إلى العراق يتضامن معه ضد الحصار؟ وكذا الأمر بالنسبة للفريق الأمريكي للجمعيات الخيرية، الذي اعتصم أمام فرق التفتيش الأمريكية في بغداد يوم 16/كانون الثاني/1998، وهي تحزم أمتعتها لتغادر العراق لا تودّعها غير اللعنات؟

*               *              *

كما ورد في نشرة إعلام الخارج للحزب الشيوعي العراقي، أن سكرتير الحزب تناول في لقائه مع ديريك بلوملي: "المساعي المبذولة لتوحيد الجهد المعارض، وموقف الحزب من اللقاءات التي دعت إليها وزارة الخارجية البريطانية، مع بعض أطراف المعارضة".

ونريد أن نتساءل، أولاً: ماذا يقصد بـ"توحيد الجهد المعارض"؟ وثانياً: أية نتائج يتوقع الانتهاء إليها سكرتير حزب وطني يساري من اتفاقات مع قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في وزارة الخارجية البريطانية؟ ومعروفة تماماً، تاريخياً وحالياً مهمات هذه الدائرة.

ومنذ متى كانت دول الغرب الإمبريالي، ووزارات خارجيتها ترعى وحدة المعارضة العراقية الوطنية، في العراق، أو سواه من الدول العربية؟ وهل أن شعار تلك الدول المفضل "فرّق تسد"، قد تبدل إلي شعار" "وحدّ تسد"؟

إن مثل تلك اللقاءات، ستكون مفهومة لو كان هدفها الاحتجاج، سويةً، مع أطراف المعارضة الوطنية، على الحصار الاقتصادي على الشعب العراقي والمطالبة برفعه بدون شروط، والاحتجاج على التهيئة لحرب عدوانية جديدة على العراق، ولو كان هدفها إيضاح سبل تعزيز العلاقات الطيبة التي يمكن أن تربط الشعبين العراقي والبريطاني، على كافة الأصعدة.

وقد وجهت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي رسالة إلى الرفيق زيوكانوف، السكرتير العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي في روسيا الاتحادية، وإلى مكتبها السياسي، مؤرخة في 12/ كانون الأول (ديسمبر)/1997 تقول فيها: "نعرب عن استغرابنا ومفاجئتنا بزيارة الرفيق كينادي زيوكانوف إلى بغداد..".

وكان من بين المعطيات التي تذكرها هذه الرسالة لتبرير سياسة موقعيها ما قالوه فيها: "كنا ولا زلنا في الصفوف الأمامية المواجهة لعدوانية الإمبريالية، والأمريكية منها بالذات، والتي تستهدف الهيمنة على شعبنا وبلادنا وعموم منطقة الشرق الأوسط، وقد أدنا الحصار الاقتصادي المفروض على شعبنا وطالبنا برفعه الفوري، وفضحنا المساعي الأمريكية لإدامته وربطه بشعارات سياسية تخدم، استراتيجيتها في المنطقة..".

ولكن، في الحقيقة، إن ما أوردناه في مناقشتنا في هذه المقالة، ينصب على دحض هذا الادعاء الوارد أعلاه بمعاداة الإمبريالية والمطالبة برفع الحصار. والذي تدحضه أيضاً كل سياساتهم طيلة السنوات السبع التي مضت.

إن مذكرتهم إلى زيوكانوف تقول أيضاً:
"تتصاعد المخاطر في هذه الأيام جراء الأزمة التي افتعلها النظام مع الأمم المتحدة والإدارة الأمريكية، بسبب عدم امتثاله للقرارات الدولية التي وافق عليها بعد هزيمته في حرب الخليج الثانية وتوقيعه على وثيقة الهزيمة والاستسلام في خيمة صفوان..".

وهذه الأقوال الأخيرة تناقض ما ذكروه أعلاه وتؤكد تغطيتهم وتبريراتهم لمسببي بل مفتعلي الأزمة، وهي الإدارة الأمريكية وحلفاؤها، بالدرجة الأولى.

ما يستحق التقدير، في الحزب الشيوعي في روسيا الاتحادية، هذا الحزب الجبار، الحاكم بالأمس، والذي حطِّم تماماً، وأعيد بناؤه من الصفر تقريباً، على أسس التجديد والواقعية والالتصاق بمصالح الشعب الشغيل، وبوطنية روسيا، إنه يستعيد عافيته، ويحتل المرتبة الأولى، لا في صناديق الاقتراع والبرلمان، فحسب، بل في ضمير روسيا المعذّبة.

ويسرنا أنه ما زال يتمسك بمبادئ التضامن الأممي، ولم ينس شعب العراق المطوّق، رغم ظروفه الصعبة.

إننا نحيي موقفه. وكانت غريبة ومرفوضة، تلك الاحتجاجات على هذا التضامن الرائع.

*               *              *

ولست أدري، هل سيحتجون على شعب مصر، على يوسف شاهين ونوال السعداوي ووفدهم، على لويس فرقان قائد أمة الإسلام في أمريكا، على الجمعيات الخيرية الأمريكية المعتصمة في بغداد؟

أما نحن فنبعث لكل هؤلاء، المتضامنين معنا، كنماذج للخير وسلامة العقل، بألف تحية وتقدير.

وأولئك العراقيون الذين احتجوا على هذا التضامن، ولاذوا بالأعداء يناشدونهم العون، فهم لم يفقدوا البوصلة فحسب، بل إنهم، بإصرارهم على مواصلة هذا النهج الخاطئ، فهم لا يسعون إلا إلى نهايتهم كوطنيين، بعد أن فقدوا البصر والبصيرة.

إنهم يحتجون على العالم، بالتمييز بين شعب العراق وحكامه، بالتظلم من عسف النظام، والتطلع للديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. لكن الذي عانى ويعاني قساوة ومرارة حكم الاستبداد، هو شعب العراق المجوّع المحاصر.

ومع ذلك فإن المعاناة من الاستبداد، والتطلع للديمقراطية، لم يسحب شعب العراق للتسكع على أعتاب سفارات الأعداء ووزارات الخارجية البريطانية والأمريكية، ولا حملة ملفات العراق، من كبار الصهاينة، أمثال مادلين أولبرايت ومارتن أنديك وسواهم، ليطلبوا منهم العون والنجدة.

*             *                *

ويدرك كل الوطنيين، أن مواجهة العدوان الذي يبيت للعراق، وتكوين جبهة عراقية متراصة بوجهه، والانهماك في الجهد الشعبي والرسمي، لإعادة بناء الوطن، وصيانة استقلاله ووحدته، يقترن بإنهاء الاستبداد السياسي وبتحقيق تعبئة شعبية، لا يمكن أن توّفرها القرارات الرسمية فقط، بل بتعزيز القناعات الشعبية وتوسيع نطاقها، عن طريق توفير الأجواء الديمقراطية ورعاية حقوق الإنسان وتوفير الضمانات الديمقراطية، تشريعاً وممارسة ومؤسسات ذات فاعلية وقرار.

إنهم يدركون أيضاً، إن هذه العملية، كانت وما تزال مطلوبة، وإن ظروف الحصار والتهديد الخارجي، لا تعيقها، أو تستدعي تأجيلها، بل تجعلها أكثر إلحاحاً وراهنية.

إنهم يدركون الضرورات لوقف نزيف الدم الداخلي والبحث عن حلول سلمية، توفر لجبهة الدفاع عن الوطن، متانة أقوى، ويدركون أن مبررات هذه الضرورة الآنية متوفرة، ليس في مبادئ وتقاليد أحزابهم الوطنية، وتضحيات قادتها، بل قبل ذلك، في تعاليم الإسلام الحنيف التي تقضي بأن: "دفع الضرر مقدمٌ على جلب المصالح".

ولا ضرر يحيق اليوم، بشعب العراق، وبكردستان العراق، وبأمة العرب، أكبر من العدوان الذي يبيت لهم. وأمام هذا العدوان بالذات، مطلوبة وحدة الجميع.

*             *                *

عام 1947، اعتقل يوسف سلمان )فهد ( قائد ومؤسس الحزب الشيوعي العراقي، وأمام الحاكم الذي حاكمه في محكمة جزاء بغداد يوم 18/5/1947، قال فهد في دفاعه ما يلي:
"إني كمواطن، شخص، في تيار خاص في الحركة الوطنية هو المعروف بالشيوعية... وقد اعتنقت هذا المبدأ منذ عام 1932 و1933... لقد انغمرت في النضال الوطني قبل أن أكون شيوعياً، سوى أني صرت أشعر بمسؤولية أكثر إزاء وطني وأنا شيوعي".

وفي فجر 14/شباط/1949، أعدم فهد شنقاً حتى الموت، في واحد من أكبر ميادين الكرخ ببغداد، بسبب وطنيته. وفي 5/شباط (فبراير)/1959، أصدرت سلطات ثورة 14/تموز قراراً وزارياً، برد الاعتبار والعفو عن فهد ورفيقيه زكي بسيم وحسين الشبيبي، بصفتهم وطنيين.

نوجه سؤالنا للسكرتير الحالي للحزب ورفاقه في القيادة: بأية مقاييس تقاس وطنية وتقدمية الأحزاب؟ وإزاء من تتوجه وطنية العراقي، وإذا لم تكن إزاء أمريكا وبريطانيا وسواهما من دول المال والطمع والحروب والسموم؟

لقد انتسبت إلى الحزب الشيوعي العراقي، بعد محاكمة فهد بسنة، بعد ما قرأت دفاعه في جريدة (الرائد) البغدادية، وتأثرت بأفكاره. وفي حزيران (يونيو) 1998، ستكون مرت 50 سنة على ذلك الانتساب. وبسبب الانتساب هذا أشعر بضرورة الاعتذار وطلب الصفح من روح الشهيد الوطني يوسف سلمان فهد، عن مخالفات من يخلفه اليوم في قيادة حزبه. فقد كافح الحزب الشيوعي العراقي، منذ تأسيسه في 31/آذار/1934، لإنجاز تحرر العراق الوطني، وتآخي قومياته المكونة لشعب العراق، واتحاد الشعب العربي من أجل الديمقراطية والاشتراكية وإن اعتماد موقف المسؤولية تجاه مآثر هذا الحزب الوطني، تجاه حاضره ومستقبله، وليس موقف الكيد لهذا القائد، أولئك المجموعة من عناصره، هو الدافع لأن نطمح ونطالب ونضغط لوقف هذه المخالفات وتصحيحها.

نشرت المقالة في جريدة "القدس العربي"
في 14- 15/شباط (فبراير)/1998
بعنوان: "السبيل لمواجهة العدوان القادم"

باقر ابراهيم © http://www.ibaqir.net