|
|
||||||||
| القوى الوطنية ترفض دستور الاحتلال دستور تقسيم العراق الموحد
لقد أريد باحتلال العراق، الذي بدأ في نيسان (ابريل) /2003، أن تستكمل الولايات المتحدة، مشروعها في أن يغدو هذا البلد نموذج الشرق الاوسط كله، لهيمنتها العالمية. كانت الصفحة الثانية لعملية الاحتلال، هي ما أسموه (العملية السياسية) الجارية في العراق، التي تشمل أجراء انتخابات عامة و سن دستور دائم و انبثاق حكومة منتخبة عنهما . فالدستور الجديد الذي أنجز الأمريكان، و من معهم من العراقيين، صياغة مسودته في نهاية آب (أغسطس) الماضي، بعد إن داسوا كل المطالبات بالتريث لإصداره، أو المقترحات الأساسية في تعديله، هو الوثيقة الأساسية التي يراد لها إن تنظم مشروعهم في العراق. كان أوضح من وصف الرغبة المحمومة لدى إدارة بوش، و اتباعها من العراقيين، في التعجل بإصدار ذلك الدستور و طرحه عاجلا للتصويت عليه، هو واحدة من كبريات الصحف الأمريكية. فقد كتبت جريدة (نيويورك تايمز)، في افتتاحيتها ليوم 13/8/2005، أن مسودة الدستور العراقي )) لا تشجع فرص قيام عراق موحد و مسالم. و أن إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش، لأسبا ب سياسية ، فرضت مهلة زمنية تعسفية لتقديم مسودة الدستور. . . (( . هذه الشهادة الأمريكية، تغني عن قول الكثير عن دوافع القيادة الأمريكية، و أتباعها من العراقيين، لاستباق الزمن و تخطي كل الحواجز لأمرا ر دستورهم. كتب باحثون و خبراء كثيرون في الشأن القانوني و الدستوري من العراقيين و العرب، عن مثالب هذا الدستور و عيوبه. لكننا نود إن نلخص بإيجاز ، الجوانب الرئيسية في مراميه، الراهنة و البعيدة و التي هي كما نرى : تكريس سياسة الاحتلال و انتهاك السيادة الوطنية للعراق و السماح بإقامة القواعد العسكرية فيه، بعد إضفاء الشرعية على احتلاله. فقد نصت المادة الأولى من الدستور على أن : )) جمهورية العراق دولة مستقلة ذات سيادة (( . كانت تلك أكبر أكذوبة. فلم يعرف التاريخ العراقي و العالمي، بلدا ينتهك الغزاة سيادته كل يوم، بل كل ساعة، و في كل مدينة و قرية و شارع، و أمام كل مسجد و جامعة، كما يجري في العراق. أضعاف دور الإسلام في التشريع : نصت المادة الثانية . اولآ على أن )) الإسلام دين الدولة الرسمي ، وهو مصدر أساس للتشريع (( . و ليس )) المصدر الأساسي للتشريع (( ، كما كان سابقا. و واضح الفرق بين الصيغتين. و هذا الأضعاف لدور الإسلام في تشريع الدستور، لا علاقة له أطلاقا بالنزعة الديمقراطية أو العلمانية أو الحداثة، كما يزعمون. بل جاء لأهداف نزع الحصانات، و تبديد الطاقة الجهادية التي يوفرها الإسلام لشعبنا العراقي، و لأمة العرب، في مواجهة التحديات، و في مقدمتها : الهيمنة الإمبريالية العالمية، و ركيزتها في منطقتنا دولة الكيان الصهيوني العدواني الذي بدأ يتسرب، بل يغزو العراق علنا. طمس هوية العراق العربية. فقد نصت المادة (3) من الدستور على أن )) العراق بلد متعدد القوميات و الأديان و المذاهب و هو جزء من العالم الإسلامي، و الشعب العربي فيه جزء من الأمة العربية (( . و ربما لغرض الترضية المؤقتة، و لتخفيف السخط الشعبي على تلك الفقرة أعلاه، فقد أضيفت إليها فقرة تقول )) وعضو مؤسس وفعال في جامعة الدول العربية ويلتزم بميثاقها (( . هنا يلزم التأكيد، بأن نزع الهوية العربية عن العراق، لا يراد منها المساواة القومية، أو أنصاف الشعب الكردي أو الأقليات القومية فيه، بل لغرض تفكيك الوحدة الأخوية لمكونات شعبنا، وكذلك في البلدان العربية الأخرى، التي تعايشت و اندمجت بأمة العرب بإخاء، و تبادلت معها الوشائج الثقافية و الاقتصادية و العاطفية و التداخل الجغرافي، و سيكون الهدف التالي بالطبع، استبدال تلك العلاقات التاريخية، بعلاقات جديدة مع الأجانب الأغراب، و في مقدمتهم مع سادة العالم الجدد و الصهاينة. استهداف تجزئة وتفتيت العراق. تقول مادة الدستور الاولى ، أن )) نظام الحكم جمهوري نيابي "برلماني" ديمقراطي اتحادي (( . وكان من المعروف أن الدساتير السابقة ، اعترفت للشعب الكردي بالحقوق القومية كما مدون فيها، و التي اتخذت شكل (الحكم الذاتي) في منطقة كردستان . لكن أي خلل في تلك الصياغات، أو في تطبيقها، يمكن و يجب أن يعالج في إطار العراق الموحد، المستقل و الديمقراطي. فقد أريد فرض نظام ( الفدرالية) في هذا الدستور، ليس في المنطقة الكردية وحدها، بل على العراق كله. ارتباطا بهذه النزعة التقسيمية للمجتمع العراقي، و استباقا لإعلان مسودة الدستور، بادر السيد عبدالعزيز الحكيم رئيس (المجلس الأعلى للثورة الاسلامية ) و أحد أركان الحكم الحالي، إلى الإعلان عن مشروعه لفدرالية الجنوب و الوسط، التي تضم سبعة محافظات، على خلاف إرادة و رغبة أغلبية السكان الشيعة في العراق. تجعل مواد هذا الدستور، من الفدراليات، دولا داخل الدولة الواحدة. و لغرض الاقتراب من فهم هذه الحقيقة، من المفيد ربطها بمضمون الفقرات التالية من مسودة الدستور : المادة الرابعة : اولآ ، نصت على )) اللغة العربية واللغة الكردية، هما اللغتان الرسميتان للعراق (( . المادة ( 117 ) الفقرة ( رابعآ ) تنص : )) تؤسس مكاتب للأقاليم والمحافظات في السفارات والبعثات الدبلوماسية لمتابعة الشؤون الثقافية و الاجتماعية و الأنمائية (( . المادة ( 116 ) الفقرة (أولا) تنص على : )) يقوم الأ قليم بوضع دستور له ي حدد هيكل سلطات الاقليم وصلاحياته واليات ممارست تلك الصلاحيات ، على ان لا يتعارض مع هذا الدستو )) كما تناولت مسودة الدستور، مواد وفقرات تمس وحدة الدولة و مركزيتها في الميادين الاقتصادية و السيطرة على الثروات الطبيعية فيها. * * * لابد من القول، إن طرح هذا الدستور، قد رافقه التصعيد في الإعلانات التي ترحب بالاعتراف بالكيان الصهيوني العدواني، من جانب قادة كبار في الدولة و في توسيع العلاقات الثقافية و الاقتصادية معه. كما رافقه، من الناحية الثانية، إثارة نزعات العداء أو الحساسية تجاه نضال و طموحات الشعب الفلسطيني الشقيق، و كذلك تجاه الفلسطينيين المقيمين في العراق. أن إلغاء عروبة العراق، هو الخطوة الأولى على طريق العداء لكل أمة العرب، أينما كانت. فهذا النهج المطبق عمليا ألان، سيتحول مستقبلا إلى مواد مكتوبة تضاف لدستورهم الجديد. * * * أن الاستغلال الطبقي ، و النية في مسخ التراث القومي و الديني، الذي يحمله مشروع الهيمنة الإمبريالية لأمريكا، و صنيعتها الكيان الصهيوني، لا تقتصر تحدياته على العرب و المسلمين وحدهم. فهو سينال الأكراد و التركمان و الكلدان و الاثوريين و اليزيديين و الصائبة و الشبك، على حد سواء. بل ربما سينال الأقليات القومية و الدينية بمخاطر أكبر، رغم المغريات الكاذبة التي يعرضها لهم ذلك المشروع، و معه صنائعه العراقيون الذين يطبلون له. لذلك فأن الأقليات القومية و الدينية داخل العراق التاريخي الموحد، و طلائعها و شخصياتها الواعية، مطالبة بتفهم أهمية المشاركة بذات الحماس، في الدفاع عن عروبة العراق و عن قيم الإسلام فيه. * * * كانت دعوى المعارضة العراقية، ضد النظام السابق تقوم على الشكوى من استبداده. و هي شكوى الشعب العراقي برمته. لكن الوطنيين الصادقين، سعوا بإصرار لأن يحل العراقيون مشاكلهم ضمن النضال الداخلي، و بمعزل عن الاستجارة بالأعداء، و خاصة أخطر الأعداء. جراء تلك الاستجارة بأخطر الأعداء، تحولت وعود المعارضة للشعب بربيع الديمقراطية الجديد، إلى جحيم حقيقي، إلى إعادة الاستعمار بصورة أكثر بشاعة و من ثم دمار العراق بالكامل. بذلك تتحمل القوى الأساسية التي ناصرت مشاريع المحتلين و مهدت لها و تساندها اليوم، المسؤولية الكبرى عن هذه النتائج المأساوية، و خاصة قيادة الحزبيين الكرديين و قيادة الحزب الشيوعي العراقي، و غيرها من القيادات المرتدة التي وظفت كل طاقاتها لتحقيق مشاريع الاحتلال، و أخرها دستورهم المسخ المرتقب. * * * أتينا على عينات مهمة، تلقي الأضواء على العيوب الرئيسية لهذا الدستور. فهي عيوب كثيرة لا تعد، و لا تجعل منه سوى الدستور الذي يهدف لتكريس الاحتلال ونزع هويات العراق الوطنية و العربية و الإسلامية، و ابتزازه اقتصاديا، و تفتيته و ربطه بمشروعهم الذي وضعوه للمنطقة بكاملها ، كما أشرنا. في الانتخابات التي جرت في نهاية كانون الثاني ( يناير) من السنة الجارية، أتبعت أساليب متنوعة في تزوير الإرادة الشعبية و التأثير على الناخب. كما جرى تضليل أقسام واسعة من الناس تحت مؤثرات التهديد و الأغراء المادي و إثارة العصبيات المذهبية و العرقية و غيرها. لكن الحكومة الجديدة التي جاءت بها الانتخابات السابقة، فاقت الحكومة التي سبقتها، في التبعية الذليلة للاحتلال، و في تنفيذ أوامره في قمع الشعب، و تصدر قواته عند تدمير المدن، كما زادت من صعوبات الناس المعيشية و في تدهور الوضع الأمني، بقياسات كبيرة. من المتوقع أن تتخذ تدابير، و تتبع أساليب، أكثر فضاضة في تزوير الإرادة الشعبية عند الاستفتاء على الدستور المزمع أجراؤه في 15 تشرين الأول ( اكتوبر ) القادم، و كذلك في الانتخابات للجمعية الوطنية، في نهاية العام الجاري. أن أحد علائم التصعيد للإرهاب، هو حملات الابادة الوحشية ضد مدينة تلعفر الباسلة الصامدة، وضد المدن الأخرى غرب العراق و غيرها. رغم هذه الظروف المعقدة و الاستثنائية، فان ما يشبه الإجماع الوطني على أدانة و رفض الدستور الجديد، قد غدت واضحة الان . دللت على ذلك بيانات و كتابات و ندوات جميع الأحزاب و التجمعات و الصحف و الشخصيات الوطنية و الدينية و العشائرية، التي ترفض الاحتلال و تناضل من اجل تحرير الوطن و من أجل أقامة نظام ديمقراطي فيه. و بصرف النظر عن الأساليب التي ستلجأ اليها القوى الوطنية، للتعبير عن رفضها لهذا الدستور المسخ، فأن الحفاظ على وحدة القوى الوطنية، و تعزيز تماسكها و تطوير نضالها، هو أهم علائم النصر لمعركتها الراهنة ضد الدستور، و لنضالها من اجل مستقبل العراق الجديد.
|
||||||||