|
|
||||||||
| الاحتلال والاستقلال و المرتدون الجدد
لو عدنا قليلاً الى الوراء، لتفحص بدايات طروحات المرتدين الجدد، وخاصة من مرتدي اليسار، لوجدنا انهم كانوا قد هيأوا لمنظومة من الافكار، أخذت تتكامل،هادفة لنشر اليأس من جدوى النضال الشعبي لتحرير الاوطان وتقدّمها سياسياً واقتصادياً. فهم حين أبتذلوا النضال الجماهيري، وراحوا ينفرّون الناس حتى من مفهوم (الجماهير)، وينظرون لأنتهاء عصر ثورات الشعوب، فقد كانت تنظيراتهم تلك البدايات المشؤومة لربط حلول قضايانا الداخلية، بالصراعات الدولية وبالحل الخارجي. تأسيساً على ذلك، نسجوا ارتباطاتهم الجديدة بالحل الخارجي، الجاهز للانقضاض والهيمنة، ليس على بلد منفرد كالعراق وحده، بل على العالم كله. ومثلما ألغى المرتدون الجدد، دور النضال الشعبي الداخلي، لحل مشاكلنا الوطنية والقومية، فانهم يعمدون الى إلغاء إمكانية أو حتمية نهوض الشعب لرد العدوان والغزو الاجنبي، والتصدي للنهب الاستعماري المترتب عليهما. لا بد أن نلاحظ، ان المرتدين الجدد، وفي العراق، نموذج صارخ لهم، يتميزون بقدر كبير من التفنن بالخداع والمكر السياسي، والتلاعب بعاطفة الجمهور. وذلك ما يمّيزهم عن العملاء المكشوفين، ويجعلهم أكثر خطراً على قضايانا الوطنية، ويتطلب جهداً أكبر لكشف البراقع الزائفة التي يتسترون بها. * * * من المفيد ان نأتي في البداية الى طروحات المتعاونين مع الاحتلال الأمريكي ـ البريطاني للعراق. وخاصة المرتدين عن وطنيتهم، في تفسير الاحتلال وتبرير استمراره. من أبرز هذه الطروحات، الادعاء بأن المقاومة الوطنية للاحتلال، تواجه قوات أجنبية متعددة الجنسيات، دخلت العراق لمساعدة شعبنا في الخلاص من الاستبداد، ولم يكن دخولها غزواً. أو يقولون : انها لم تعط الفرصة الكافية بعد، لنتبيّن فوائد وجودها في بلادنا، من أضرارها. أو ان المقاومة توجه سلاحها للمدنيين المسالمين، وانها تضرّ بالعراقيين أكثر مما تضر بالمحتل. وبعضهم يدعي انها ستؤخر نهاية الاحتلال ! ان كثيراً من تلك الدعاوات، فندها القادة والمؤسسات الأمريكية، نفسها، وظهر بطلانها. ومن المعروف، ان بسطاء الناس في العراق، كأي بلد آخر، عانى لفترة طويلة من الحروب والحصار والقمع، ومن الاضطرابات السياسية، يهمهم تأمين أمنهم الشخصي أولاً، ثم أمنهم الاجتماعي. فهذه حاجة طبيعية، تتقدم على متطلبات المعيشة الانسانية الاخرى المعروفة. وامعاناً في ايذاء المحتلين وأعوانهم للناس البسطاء، من أعز ما يتوقون اليه، أي الأمن، نراهم يعمدون الى تدميره، والى حرمانهم منه. لكن المتواطئين، من العراقيين، وخاصة المرتدين الجدد، يبرعون، ليس في الصخب، في طروحاتهم فقط، بل في الدجل السياسي أيضاً، خاصة حين عدلوا بعض دعاواهم القديمة، فراحوا يعلنون بانهم مع حق الشعب العراقي في مقاومة الاحتلال، لكن ما يجري الآن، ليس مقاومة، بل فعاليات ارهابية، هي المسؤولة عن الانفلات الأمني، وعن قتل المدنيين الابرياء. استكمالاً لأخراج المسرحية بشكل متصل الحلقات، يدّبر المحتل التفجيرات المدروسة، أو العشوائية، وسط التجمعات المدنية والأسواق والمدارس أو دور العبادة. المحتل يخطط فقط، أما المنفذون فهم الموساد وعملاء الاحتلال ومليشياتهم، وحروبهم الطائفية المعد لها سلفاً. للدلالة على ذلك، فانهم يجترّون الاحاديث عن بعض عمليات استهدفت قطع تيار الكهرباء، وأنابيب مياه الشرب، أو خطوط النفط التي تجّهز السكان بالوقود. لكن بات من المعروف لأكثرية الناس، ان تلك الفعاليات التي إستهدفت تفجير الاماكن المقدسة والجوامع والكنائس والمدارس والاسواق الشعبية، معروفة الغرض ومعروف من يستفيد منها. ويكفي أن يعرف الناس، ان من يدير دفة الأمور في عراق اليوم، من الأمريكان، والأنكليز، وغيرهم، هم من خبراء القمع وممارسة الارهاب الدولي. ويكفي أن يعرف الناس أيضاً، ما كشف بعد الاحتلال، من ان خمسة آلاف شخص قد تم تدريبهم في هنغاريا. وكانت تلك وجبة واحدة من الوجبات التي اعدت لأحتلال العراق. وقد أعدت تلك الالوف ودرّبت للقيام بحرق وتدمير ما لم تدمّره طائرات الاحتلال وقصف مدافعه اثناء الحرب. وان مهمة هذه الشبكات لم تنته بعد الحرب، بل هي مستمرة حتى اليوم وستستمر. جدير بالملاحظة، انه ما أن تحصل عملية تدميرية كبيرة، تمسّ الناس الأمنين، أو المنشآت ذات النفع العام، حتى يسارع أبواق الاحتلال، وفي مقدمتهم المرتدون، ليوّجهوا الادانات الجاهزة والقاطعة التي تحمّل مسؤوليتها للمقاومة الوطنية، أو القوى الرافضة للاحتلال. للرد على هؤلاء نفضّل، كالعادة، الاستعانة والاستشهاد بما يقوله الامريكان أنفسهم عن تلك العمليات. وفيما يلي أسوق للقارئ الكريم نموذجاً واحداً مماقالوه. تذكر الكاتبة الأمريكية ( نعومي كلاين ) في مقالة لها بعنوان : ( السنة الصفر ـ نهب العراق سعياً الى " يوتوبيا " للمحافظين الجدد )، نشرتها مجلة ( المستقبل العربي ) في عددها ( 308 ) الصادر في تشرين الأول ( أكتوبر ) / 2004 ما يلي : " في 2 / آذار ( مارس ) / 2004، مع رفض الأعضاء الشيعة في مجلس الحكم التوقيع على الدستور الانتقالي، انفجرت خمس قنابل أمام مساجد في كربلاء وبغداد، فقتلت قرابة 200 من المصلين. وحذر ( جون أبو زيد )، القائد العام للقوات الأمريكية في العراق من ان البلد على حافة حرب أهلية.
وخشية هذا الاحتمال، تراجع السيستاني ووقع السياسيون الشيعة على الدستور الانتقالي. كانت حكاية مألوفة : صدمة ـ هجوم عنيف ــ مهدّ الطريق لمزيد من العلاج بالصدمات "! من المعلوم ان ذلك الدستور المؤقت، ونعني به ( قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية ) أقره مجلس الحكم يوم 8 / آذار ( مارس ). أي بعد ستة أيام فقط من تلك التفجيرات المروعة. ذلك ما شهدت به الكاتبة الأمريكية ( نعومي كلاين ). ولكن لن تنتهي تهريجات أبواق الاحتلال، وخاصة المرتدين منهم.
دور الموساد الاسرائيلي
ان أدوار الموساد الاسرائيلي، ليس في شمال العراق فقط، بل في كل مناطقه، لم تعد خفية على أحد. ويوّجه الناس في الشارع، أصابع الاتهام لعناصره ووكلائه، فور حدوث عملياتهم التخريبية. فقد تحول التسرب الصهيوني في العراق، الى تدفق منذ الساعات الأولى لعمليات الاختراق في خطة إحتلاله. إضافة الى الاسهام الفعال في نهب وتدمير التراث العراقي الثمين، كان دور الشبكات والعناصر الصهيونية، مساندة قوات الاحتلال في إشاعة الفوضى والحرائق والتفجيرات في التجمعات السكنية والاسواق الشعبية، وحيثما يمكن نشر الرعب وكسر الارادة الشعبية الرافضة للاحتلال. خلف كذبتين كبيرتين عن إعمار العراق، ونشر الديمقراطية فيه، تجري التغطية على حصيلة الحرب والاحتلال بعد الحصار الطويل عليه. كانت الحصيلة، نسبة عالية لم يعرفها تأريخه من البطالة والتدهور في الوضع الصحي، وإنتشار الآوبئة وخراب وتشويه البيئة. كما أهتم المحتلون وأعوانهم، وشبكات الموساد الاسرائيلي خصوصاً، بتنفيذ الخطط التي أعدّت لتصفية النهوض العلمي في العراق، وتدمير مؤسساته واغتيال العلماء والأساتذة. رافق الدور السلبي لشبكات التخريب الصهيونية، جانب اقتصادي يرمي للاستغلال والنهب تحت واجهات عراقية أو عربية مزّيفة. لا غرابة بالطبع، في ذلك التشابك الذي رأيناه بين الامبريالية الأمريكية وقلعة الصهيونية العالمية. ولا غرابة أيضاً، ان يتصدى الصهاينة لكل شعب ينشد الحرية والتقدم. كن حقدهم على العراق، الذي يفوق المعتاد، مرّده الانتقام من مساندة شعبه لنضال شعب فلسطين الباسل من أجل استعادة وطنه المغتصب. وحين يسعى الضالعون في ركاب الاحتلال، وفي مقدمتهم المرتدون الجدد، لفتح أبواب العراق أمام الصهاينة، وحين يسعون للتطبيع مع دولتهم، فلن يجنوا سوى رفض شعبي أوسع، سوى كراهية أكثر. نحن رأينا، في جميع الفعاليات التدميرية والاغتيالات والسرقة وتشويش الافكار، وفي الدجل السياسي، اثناء احتلال العراق وبعده، ان المتواطئين مع الاحتلال، هم أنفسهم، دعاة التطبيع مع دولة العدوان الصهيوني، ومعهم المرتدون وأحزاب الردة. كان التبشير بتطبيع العلاقات مع دولة الكيان الصهيوني، يغطي عليه بكثير من الدهاء والعبارات المغلفة في السابق. لكن الذين يستقوون بالاحتلال الأمريكي لبلدهم اليوم، وخاصة في جانب القيادة الكردية واصابتهم نشوة غامرة من الشعور بالنصر ومن الميل لآستعجال الأمور. لذلك لم تأت مفاجئة تصريحات السيد مسعود البارزاني، رئيس أقليم كردستان، لجريدة ( الحياة ) يوم 7 / حزيران / 2005 وأعلن فيها : " ان العلاقة بين الاكراد واسرائيل ليست جريمة. وان من الممكن فتح قنصلية اسرائيلية في أربيل عاصمة أقليم كردستان في حال فتح سفارة اسرائيلية في بغداد ". لكن قرار بغداد، صار بيد القادة الاكراد ومن هم معهم، وقبل ذلك من هو فوقهم. ولا نظن هذا الانفلات في تحدي مشاعر الشعب العراقي، بمن فيهم أكراد العراق، سوى تراكمات جديدة لأثارة سخطه على المنحدر الذي يراد جره اليه، وربما لتحفيز وتسريع قدرته على وقف هذه المأساة وهذه المهزلة.
لعروبة العراق حصة مرموقة من العداوة
من اليسير أن نلاحظ ان كثرة من المرتدين، هم الذين يقودون حملة فك إرتباط العراق بانتمائه العربي، بعد إجتلاله. والقليلون من الناس البسطاء، يعرفون أو يتذكرون ان أغلب هؤلاء كانوا تحت الرعاية الأخوية الفائقة للقيادات العربية، ومنها الفلسطينية والمصرية والسورية والليبية والجزائرية واليمنية وغيرها. وهناك من كانوا تحت الرعايات الخاصة لأجهزة مخابرات تلك الدول. وكوّن بعض أولئك المرتدين، بفضل تلك الرعايات، تجارات رابحة، أو ممالك إعلامية، أو منشآت عقارية وأرصدة. وهذا ما يشير الى الجوانب غير السياسية، وغير النزيهة، في ذلك الجحود الذي نشهده اليوم، بحق الواجب العربي، بعد حصول المرتدين على سادة جدد من الغرب، يقدمون عطاءً أكبر! هؤلاء هم من يدينون اليوم، أي مجاهد عربي، يتطوّع لطرد المحتل من العراق، أو يرفع صوته مطالباً بتحريره، رغم ان الجميع يعرفون ان مهمة تحرير العراق، كانت بالأمس، وستظل اليوم، مهمة العراقيين بالدرجة الأولى، وأنهم الأقدر على النهوض بها أولاً وأخيراً. انهم يخفون وقائع التاريخ القريب، حينما تطوع العراقيون، سواءً بمعرفة الدولة، أم بواسطة المؤسسات الشعبية، للقتال، دفاعاً عن شعب فلسطين ضد العدوان الصهيوني، حيث تشهد مقابر شهدائهم في أرض فلسطين على مأثرتهم الوطنية والقومية والانسانية. ومما يجدر ذكره، انه يوجد بين العراقيين، في تلك المقابر، كثرة من الاكراد، ومن القوميات الآخرى. مما يؤكد إصالة الشعب العراقي، بعربه واكراده وأقلياته القومية، في التصدي لخطر الاستعمار والصهيونية وكيانها العدواني. لقد تركّز قدر كبير من تهجمات المرتدين على الشعب الفلسطيني، وعلى موقف الفلسطينيين من الاحتلال. من بين دوافع هذا الغيض التغطية على الوضع المأساوي الذي يعيشه ألوف الفلسطينيين اللاجيئين في العراق بعد إحتلاله، حيث صار الكثير منهم يكدّسون في مناطق ضيقة مزدحمة وفي ظروف معيشية صعبة للغاية. وقد أريد لهم أن يندمجوا بمأساة أخوانهم من الشعب العراقي الذي استضافهم ورعاهم بأخوة. ومما صرنا نسمعه الآن أيضاً، ان بعض المرتدين، يخيفون شعوب البلدان العربية الغنية بمواردها الطبيعية، وبالبترول خاصةً، مما يسمونه ( طمع الفقراء العرب ) بثروات بلادنا ! فهم يدعون بان هؤلاء الأكثر فقراً، هم وحدهم يريدون الوحدة العربية ! انهم اذ يناصبون العداء للطموح العربي المشروع نحو الوحدة، فهم يبتغون أيضاً ان ينزعوا عن اسيادهم الاجانب، وخاصة الأمريكان، الاتهامات بالطمع بالثروات العربية ونهبها ليحّولها الى الفقراء العرب. انهم، بتوجيه من أسيادهم الكبار، يشدّدون الضغط على الأنظمة العربية، وعلى الحكام العرب، لمنع أية معونة تقدم للنضال العراقي الشعبي المناهض للاحتلال، والهادف لتحرير وطنه. غايتهم الأخيرة، انهم يطالبون تلك الأنظمة، ان تدخل تماماً في لعبة القبول بنتائج الاحتلال، رغم ان هذه الانظمة لم تقصّر في القمع القاسي لحركة التضامن مع شعب العراق، والتضييق عليها، حتى بأبسط أشكالها، كالتظاهر داخل الجوامع.
عن العقد النفسية للمرتدين الجدد
ربما لا يجد مرتدّون يطلقون على أنفسهم صفة كتاب صحفيين، أو محللين سياسيين، حراجة في أن يحللوّا العقد والتشوهات النفسية والعصبية والسياسية، التي أصيب بها من يسمّونهم " الارهابيين في العراق ". وقد لا حظنا ان بعضهم قد ولجوا ميادين التحليلات النفسية هذه وراحوا يظهرون أنفسهم خبراء فيها. بعض هؤلاء المرتدين، خاصة من حمل منهم لقب الكاتب الصحفي أو المحلل السياسي، أو أكثر من ذلك في ميادين الثقافة والأدب، كان قد أدخل في دورات للأعداد السياسي والثقافي في بلدان المتروبول، تمهيداً لاحتلال وطنهم، بعد أن أغرقوا بالامتيازات وبالمال الحرام. بعضهم تعجلوا كثيراً فأعلنوا ترحيبهم بجنود الاحتلال وطالبوا بتمجيدهم وباقامة النصب التذكارية لقتلاهم، وآخرون تريثوا وتفننوا فلجأوا الى تغليف الخيانة برداء المعقولية الوطنية والانسانية لتبرير طروحاتهم وتغليفها.وفي ظني ان هذا النمط الأخير هو الأشد خطراً وضرراً. قال هؤلاء المرتدون حملة " الثقافة " كل شيئ في وصف عقد " الارهابيين ". لكنهم لم يذكروا عقدة واحدة هي إن هؤلاء الارهابيين " المعقدين نفسياً " ، قد رفضوا إحتلال بلادهم وقرروا التصدي له. هم لم يذكروا ان أسيادهم في الدول العظمى، قد قالوا ذلك كما قالها كتاب وصحفيون ومحللون سياسيون كبار فيها. تأسيساً على ذلك، فقد كان الأجدر بالمرتدين الجدد، ان يحللوّا نفسياً وعاطفياً، سياسياً وأقتصادياً، العقد التي تكونت عند من ارتدوا عن النضال، وهجروا معسكره ليصبحوا مأجورين، أومتطوعين يؤمرون فيكافؤن من أميرهم الجديد. هنا نود القول، ان المثقف، والسياسي الذي يخون وطنه طوعاً، وبدون أجر، ذنبه أكبر من ذلك الذي يدّعي العوز والاضطرار. سيتطلب التحليل النفسي الشامل، لهذا النمط من مرتدي الثقافة والسياسة، الاطلاع الأشمل لمسيرة من سار في دروب الردة وخيانة الوطن.
وقفة مع متقاعدي الردة
بعض متقاعدي النضال، الذين هجروه تماماً وراحوا يعتاشون على ذكريات الماضي فقط، كانت الردة كامنة في دواخلهم ومتكاملة فيها، كبيوض تحتاج الى الأجواء الملائمة للتفقيس. عادوا للنشاط بعد ان رفسوا كراسي التقاعد، وإنخرطوا في " النضال الجديد " بعد احتلال وطنهم وبعد تدميره على يد الاحتلال. ان بعض الذين أفنوا زهرة شبابهم في نضال إيجابي سابق، وجدت في أسوار نضالهم الثغرات الجدية التي لم تكن ظاهرة تماماً حينها. دلل على ذلك انهم تلقفوا بسرعة طروحات الردة الجديدة في أحزاب الردة، فأستهوتهم وأجتذبتهم. بعضهم راح يعلن عن قناعات جديدة تكونت لديه بعد الاحتلال، وبعد أن أعاد قراءة الماركسية واللينينية، خاصة ما قالته عن الامبريالية ! تقول بعض تلك الطروحات والقناعات، ان أمريكا رغم مقاصدها المعروفة، لكن مصلحتها هي اقامة نظام ديمقراطي في العراق، وهي جاءت من أجل ذلك ! ولهذا السبب يلزم ان ندرس الظواهر بعين جديدة ! وهكذا كانت العين الجديدة قد رأت تلك الرؤية الجديدة. فيا لبؤس الجديد ويا لبؤس القراءة الجديدة للماركسية ! آخرون من متقاعدي النضال، كرسوا " مواهبهم "، لتبرر الحصار بالأمس، ثم الحرب، ثم الاحتلال. وأخيراً الاستماتة في إبتكار التبريرات للابقاء على الاحتلال، بأسم درء مخاطر عودة الدكتاتورية ! وبرر لهم كل ذلك، شتم المقاومة الوطنية وتشويه طبيعتها وفعالياتها والتحريض ضد مناهضي الاحتلال، بل حتى التحريض على اجتياح المدن الرافضة للاحتلال ومباركة هدمها فوق رؤوس ساكنيها.
هكذا دللوا على ان نضالاتهم السابقة، لم تكن سوى عمارات شاهقات بنيت فوق رمال متحركة. وإذ نرثي لهم، فقد كنا نتمنى لهم الاستمرار في تقاعد حميد وعزلة مجيدة، قبل أن يشطب ضلوعهم في موكب الردة نضالهم المجيد السابق، وقبل أن تمسخهم الردة. مرتدون آخرون، أعلنوا عن قراءات جديدة للماركسية واللينينية أيضاً. لكن قراءاتهم الجديدة، لم تكن في جوهرها سوى قراءات لواقع الغطرسة الامبريالية بقيادة أمريكا وحليفتها الصهيونية، بعد إنهيار القطبية الثنائية وإضمحلال معسكر الاشتراكية. وهي لم تكن سوى الاستسلام لهيمنتها والقبول بالدخول في مشاريعها كتوابع ذليلة وقد تمخض عن تلك القراءات الجديدة القبول بتولي مهمة تخريب وتشويه أهداف وقيم النضال الوطني والقومي والأممي. من أبرز تلك التشوهات لأهداف النضال، تحويل العدو الى صديق وبالعكس. ومن هنا كان خراب بعض فصائل النضال من أجل التحرير والتغيير الاجتماعي. في تجربتنا العراقية الملموسة، فقد أريد لنا ان نقبل بالتضحية باستقلال بلداننا وبمنجزاتها، وبطموحاتها القادمة، من أجل الركض وراء ديمقراطية زائفة وإنتخابات ومؤسسات للمجتمع المدني يحققها لنا غزاة الوطن من الأستعماريين والصهاينة.
ديمقراطيتهم : تعريق الاحتلال
للاحتلال مشروعه الكامل، فكرياً وسياسياً واقتصادياً. فنظام العولمة الجديد، يسعى لازالة أهم العوائق أمامه، وفي مقدمتها عقبات السيادة القومية أو الحماية للاقتصاد الوطني. اما اللبريالية السياسية، فهي تعتمد ديمقراطية الاحتلال، ابتداءً من الترحيب به،أو الادعاء بقبوله على مضض كتحرير للوطن من الدكتاتورية إلى التعامل معه كأمر واقع. تعتمد ديمقراطية الاحتلال، إسباغ الصفة العراقية عليه، بتعريقه عن طريق الدستور والسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، على ان تتولى القوى التي تواطأت مع الاحتلال، أو قبلت بالتعامل معه، كأمر واقع، جميع تلك السلطات. كي تبدو هذه السلطة، بانها ديمقراطية، ومفتوحة على الجميع، فانها تلجأ الى إستدراج القوى الوطنية، أو بعضها المعارضة للاحتلال، للقبول بما أسموه (المشاركة في العملية السياسية). ولكن في ظل الاحتلال، ومن أجل تكريس الاحتلال. لكن الديمقراطية الحقة، هي التي توفر الحرية السياسية والاجتماعية، لكل شعب، دون تحديدات. وبالطبع، لم يعد من المقبول إحياء شعارات الاستثناء من الديمقراطية كشعار (لا حرية لأعداء الشعب)، اذا كان يقصد به مواجهة الخلافات أو التناقضات داخل الشعب الواحد، سواء كانت بداوفع طبقية أم قومية أم دينية أم عقائدية. لكننا أمام واقع ملموس آخر، هو واقع الاستنجاد بالقوى الخارجية وتدخلها لحل قضايانا الداخلية، وأكثر من ذلك، تحكمها في تلك الحلول. وتلك القوى الخارجية، جاهزة دائماً، وفي كل بلد للتدخل السريع. وهي تستطيع ان تفرض تدخلها علينا، بالشراء والاسترضاء، أو بالقوة والقهر. ويوجد بين القوى السياسية في العراق، أو بعض الاتجاهات الفكرية، أو الشخصيات، من يوافق على ذلك الاستنجاد بالاجنبي، ويستسيغه. ازاء هذه الحقائق، وازاء واقع الدمار الهائل الذي ألحقه ذلك التدخل الخارجي بوطننا، صار من اللازم، اتخاذ الاجراءات الكفيلة بتحرير الوطن اولاً، ثم بحمايته من غزو آخر. وقد يتطلب ذلك، ان تنص التشريعات الدستورية المرتجاه، في العراق الديمقراطي المتحرر، على منع وتحريم الاستعانة بالتدخل الاجنبي، لحل مشاكل الشأن العراقي الداخلي. أي ان تبقى الخيانة ممنوعة وان يجرّم مرتكبها وفقاً للقانون.
اصطفاف جديد للقوى السياسية
تجري الان بشكل ملحوظ، عملية اعادة الاصطفاف بين القوى السياسية، في كل بلد عربي، وكذلك على النطاق العربي عامة. فالموالون لطروحات اليمين الامريكي، وهيمنته العالمية، يتجمّعون في مؤسسات ومنظمات وجبهات جديدة. وتقابل هذه الاصطفافات الجديدة، بالضرورة، إعادة تنظيم وتعبئة لقوى الرفض والتغيير. فالى جانب طروحات الهيمنة الأمريكية ومؤسسات ترعاها بأسماء متعددة مثل " معاهد تطوير الديمقراطية " ولجان حقوق الانسان، ومكافحة الارهاب، واحياء المجتمع المدني، يتجمع المرتدون الذين كانوا بالأمس في صف، أو في قيادات النضال من أجل التغيير. والسعي واضح الان لأن يندمج المرتدون عن قيادات النضال، الوطنية والقومية، والاسلامية والشيوعية والليبرالية، مع الاتباع المكشوفين للامبريالية، ممن لم يكونوا في قوام تلك التيارات، وحتى ممن كانوا في مواقع العداء المكشوف لها. بدأت عمليات إعادة الاصطفاف السياسي والفكري والتنظيمي هذه بصورة ملحوظة، منذ بداية عقد التسعينات من القرن الماضي وإنهيار الاتحاد السوفيتي، ثم الدول الاشتراكية الاخرى، وانتهاء القطبية العالمية الثنائية. لكنها اتخذت شكلاً صارخاً ومغالياً بالفجاجة، والتخلي عن قيم النضال، في عشية الاعداد لغزو العراق، وبعد الغزو. كان اجتذاب مرتدي اليسار والشيوعية، من أوربا الشرقية، للدخول تحت خيمة الامبريالية الامريكية ومشروعها، المثال الصارخ لتلك التحولات. فهي انتهت الى دخول الكثير من تلك الدول، في قوام منظمة ( الحلف الاطلسي )، وحتى المشاركة العسكرية مع قوات غزو العراق. فيما يتعلق بالاحزاب الشيوعية في الوطن العربي، فقد أعطت قيادة الشيوعي العراقي، النموذج الأكثر فجاجة ً وكذلك، الأكثر إستغراباً، عند تحولها ودخولها في المشروع الأمريكي، ثم صارت جزءً منه. بما انه يوجد أنصار ومحبّذون لهذا النموذج " الشيوعي العراقي "، في الكثير في البلدان العربية، لأسباب تتعلق بذات الحوافز والظروف المساعدة على الردة، فقد غدت إعادة الاصطفاف في الحركة الشيوعية العربية، كما هي العالمية، أمراً لا مناص منه. ونظراً لصعود تأثيرات التيار الاسلامي، مقابل انخفاض تأثير التيارات الاخرى، فان اليمين الامريكي، يرى بان نجاح مشروعه، يتوقف، الى حد كبير، على إجتذاب بعض قوى هذا التيار، وخاصة من يسميهم، (الاسلاميين المعتدلين)، الذين يمكن ترغيبهم للدخول في مشروعه. لم يعد خفياً الغزل المنافق، مع هذا الشطر من الاسلام السياسي، الذي يبدي استعداده لالقاء سلاح المقاومة، والدخول في مشروع الهيمنة الأمريكية.
جبهة عالمية جديدة
لم تكن الردة عن قيم النضال الوطني والقومي والأممي، محصورة بتيار واحد محدد، بل كانت شاملة في جميع قوى التغيير، وبدرجات متفاوتة بالطبع. من الجانب الآخر، فان الصمود أمام الهجوم المضاد وأمام الردة والتصدي لهما، كانا شاملين لجميع مكوّنات قوى التغيير، وبدرجات متفاوتة كذلك. يلجأ المرتدون في بلدان عربية كثيرة الى طروحات ذات تلوينات زاهية، أو يثيرون نقاشات جانبية هدفها اولاً وأخيراً، إخفاء ردتهم عن ماضيهم النضالي. لكن طروحاتهم تتعرض الى أضواء كاشفة مباشرة فور تناولهم الموقف من القضايا الاساسية لأهداف النضال الشعبي، كالموقف من الامبريالية والعدوان الامريكي وغزوه، ومن التطبيع مع الكيان الصهيوني. ان براقعها تتساقط، حين تعلن مثلاً ان حقبة التحرر الوطني من الاستعمار قد انتهت، وان من يعتقد بانها مازالت مستمرة، إنما يقع في الاوهام ! تظهر هذه التفسيرات للوضع الراهن، مع إنكشاف عودة الامبريالية الى الغزو والاحتلال المباشرين، وبالاقتران مع تشبث الكيان الصهيوني نهجه العدواني التوسعي. كما تتساقط براقع المرتدين، حينما ينضمّون الى، أو يتصدرون جوقات العزف على تسخيف النضال الوطني والقومي العربي خاصة، والأممي، وتصويره بانه مجرد حقب متتالية من الهزائم والنكسات والإفقار والصراعات العبثية على السلطة ! ان جميع التلوينات الزاهية عن الديمقراطية وحقوق الانسان، وأطروحات الغنى الذي يمكن ان يحمله التدخل الخارجي (والحل الخارجي كما يسمونه)،لأ زماتنا، تبدأ بالتساقط، حين يعتبر هذا النمط من المرتدين، وخاصة بين مرتدي اليسار، النموذج العراقي حالة مقبولة، بل رائدة ! لكن النموذج العراقي، قدّم للعالم وجهاً آخر غير متوقع وفريد في نوعه. فالمقاومة العراقية للغزو فاجأت المخططين له تماماً، ومعهم فاجأت المرتدين. وصاروا يقرّون بذلك، وكثير منهم راحوا يقارنون بين الوحل الفيتنامي والوحل العراقي الذي تغوص فيه قوات الغزو. لم تكن الغرابة في هذه المقاومة العراقية، بل الغرابة لو انها لم تحصل. كما ان قسوة الغازي ولا إنسانيته، وشهامة المقاوم العراقي، عجّلتا باستنهاض العزم الكفاحي، و ستسهمان في تعميمه على الشعب كله، في كل أرجاء البلاد، على حد سواء. * * * كان الصراع العالمي يتجسد بمعسكرين متضادين سياسياً واقتصادياً، بالصراعات السلمية وبالتوازنات النووية. وقد انتهى ذلك الاستقطاب وذهل البعض وتخاذل آخرون. وكانت الردة عن قيم النضال واهدافه، مآل الشطر الأخير. لكن االصراع والاستقطاب، يتخذ أبعاداً جديدة اليوم. فأمريكا الظافرة المتخمة بالذهب والاسلحة، تواجه مئات الملايين، يتظاهرون في مئات المدن في العالم، في يوم واحد، دفاعاً عن العراق المذل المهان ، ضد حربها العدوانية عليه وضد العدوان الصهيوني المسلط على شعب فلسطين، وعلى الشعوب الأخرى. في تلك التظاهرات وجدنا البروليتاريا وشغيلة الفكر، مع اوربا المرفهة وافريقيا وآسايا الجائعتين.. وجدنا الراهب المسيحي والمؤمن المسلم واليهودي المعادي للصهيونية.. وجدنا ماركسيين وليبراليين وقوميين.. هتافات صاخبة في الشوارع والساحات، ترافقها ندوات الفكر والتخطيط الواعيين، لانضاج البرامج النضالية العالمية، وأهداف الحاضر والمستقبل.. انها أسلحة الدمار الشامل توجه للامبريالية ودعاة الحرب والغزو واالنهابين وستدك مستقبلاً أبراجهم المنيعة. مع الزمن، ومع الحاجات النضالية، تنضج الشروط لقيام الجبهة القومية الموحدة لشعبنا العربي، والجبهة العالمية الجديدة المناهضة للامبريالية والحرب. فقد كانت شعوبنا بالأمس، وستظل غداً جزءً حيوياً منها.
|
||||||||