|
|
||||||||
وحدة قوى النضال سلبيات الأمس وامال الغد
من الامور التي اوضحتها احداث العراق، في العامين الماضيين، ان الامريكان وحلفائهم واتباعهم، استخدموا اسلحة كثيرة لقهر العراقيين.
كان في مقدمة تلك الاسلحة، سعيهم لتمزيق صفوفهم، وحملهم على ان يعيشوا في الجانب السلبي للماضي فقط. وأتضح ان ابرز اسلحتهم، كان تصميمهم على ان يفرقوا العراقيين في ذلك الماضي، كي لايروا ماسي الحاضر واخطاره. والهدف واضح ايضآ من ذلك، هو تحطيم وحدتهم ومنع قيام وحدة وطنية جديدة تتوجه ضد مشروعهم.
تدرك القوى الوطنية اهمية تلك الوحدة، وان اول ماتحتاجه الان، هو قلب الصفحات السلبية من ماضي العلاقات بينها، وفتح صفحات جديدة للحاضر، والاتحاد في النضال المشترك المطلوب.
أن المراجعة النقدية الجريئة لأخطاء الماضي، من جانب الجميع هي ضرورية ايضآ. فهي مطلوبة لانها تساعد على تحقيق تلك الوحدة المرتجاة، وعلى استمرارها وتطورها. لكن بعض الوطنيين يرون ان هذه المراجعة النقدية الجريئة المطلوبة، هي شروط مسبقة، لابد منها لتلك الوحدة الوطنية المنشودة الان.
أنهم يقدمون الشكوك بالنوايا وحالات النكث بالوعود والمواثيق السابقة، كمسلمات لايمكن تجنب تكرارها لاحقآ، وبذات المبررات السابقة. ويرون كذلك ان الانتهاكات التي حصلت في الماضي، لايمكن درءها مستقبلآ دون محاكمات عادلة ومسيرة جدية جديدة.
ومن الجانب الاخر فأن بعض القوى الفاعلة الان على الساحة العراقية، التي واصلت مواقف الدفاع المشرف عن الوطن، ضد المحتل وعدوانه، وتنهض بأداء مهمات النضال لتحريره، ملزمة ايضآ ان تتحصن تجاه محاولة جرها الى مزالق الانغلاق والجمود والتعصب لتجربة الماضي.
وهذه القوى التي نعنيها، يطلب اليها ان تعلن رفضها لطروحات من ينسبون أنفسهم اليها، حقآ او افتعالآ، يغلقون الابواب امام اي مراجعة نقدية للماضي، واتهام من يمارسها بالعداوة وسوء القصد.
مطلوب الى هذه القوى ايضآ ان تنتبه الى اضرار طروحات من يلجأون الى تمجيد الماضي بكل ما فيه، والانتباه بخاصة الى مخاطر طروحات بعضهم الذين يدافعون عن امكانية الجمع بين الوطنية والتصدي للعدوان الاجنبي وبين تبرير الاستبداد سابقآ، او حتى امكان العودة اليه لاحقآ.
بات من المعروف، ان امبريالية الولايات المتحدة وحلفاءها، يستثمرون جميع نقاط الضعف في الانظمة التي يستهدفون تحطيمها، وخاصة تلك التي تقف بوجه هيمنتهم.
في مقدمة نقاط الضعف التي تستثمر في تلك الانظمة، رفضها للاصلاحات وللتطور الديمقراطي، ونزوعها الى اقامة انظمة مستبدة تعيق تنفيذ خططها في النهوض الوطني والتنمية المستقلة، وتعزلها بالتالي عن شعوبها وتقوض اهم ركائز صمودها ومقاومتها. مع تكريس انظمة الاستبداد، وحتى دعمها احيانآ، يخاطب الغزاة قوى الاصلاح والتغيير الاجتماعي والديمقراطي، خارج اطار تلك الانظمة الوطنية او المعارضة لها، ليمدوا الجسور معها وليغروها بالتعاون معهم لانجاز مشروعهم في الهيمنة على البلد المعين.
كان العراق نموذجآ صارخآ لهذا التواطؤ بين غزاة الوطن وبين كثير من قوى النضال القديمة.
ان الاستبداد هوظرف مساعد لنشوء وتسريع وتوسيع ظاهرة الخيانة للوطن، والتواطؤ مع الغازي. ولكن لا يصح تبريرها بوجود الاستبداد، ذلك ان شطرآ واسعآ من القوى الوطنية ومن الوطنيين الذين عانوا مظالم الاستبداد رفضوا طريق الخيانة والتواطؤ مع الغازي الاجنبي.
كما لايجوزاعتبار الاستبداد هو المسؤول عن دفع اقسام من هذه القوى للتخلي عن الوطنية والاستجارة بالاستعمار الامريكي او بدول اخرى ضالعة معه.
فالتواطؤ مع الاجنبي لايمكن فهمه واعتباره مجرد فقدان لقطاعات من الشعب العراقي، الامل تمامآ بالقدرة على الاصلاح الداخلي، واضطرارها بالتالي الى اللجوء والتعويل على اسقاط النظام عن طريق الاحتلال الاجنبي.
فهذه الخيانة للوطن غير قابلة للتبرير، وهي تستوجب في جميع الاحكام،المساءلة وبالتالي التجريم القانوني. ولا يمكن مساواتها باي حال من الاحوال مع جرائر ومسؤوليات الاستبداد الداخلي.
* * *
عدا الخلاف حول الموقف من احداث الماضي ومسؤولياته ودروسه، تبرز على ساحة العمل السياسي العراقي ايضآ، الاختلافات المتعلقة بمحتوى واساليب تحقيق المهمات الوطنية الراهنة.
بات من المعروف، ان القوى الوطنية لها اساليب مختلفة في التنظيم والجهاد والاعلام. فبعضها يعمل في سر مطبق ويعلن اعتماده مقاومة الاحتلال حتى انهائه، وبعضها الاخر له مقراته العلنية وقياداته المعروفة واجهزة اعلامه، ويعلن تبنيه ودعمه للمقاومة الوطنية بكل اشكالها حتى اخراج المحتل.
لكن طبيعة هذه القوى الاخيرة، يضطرها لان يكون لها اسلوبها في الجهاد، وخطابها السياسي الخاص واعلامها المتميز ايضآ. كما يفعل المؤتمر التأسيسي الوطني العراقي والتيار الصدري وغيرها. ان طرفي النضال والمقاومة يكمل احدهما الاخر، ويحتاج احدهما الاخر. وينبغي توفير اجواء التفهم المشترك، والتنسيق ووحدة العمل بينهما.
وستكون غريبة جدآ وضارة ومستهجنة اثارة التناقضات والحساسيات بين طرفي المقاومة المذكورين، خاصة حينما تصدر تلك الاثارات ممن هم بعيدون عن ميادين المعركة الاساسية داخل الوطن.
من جميع الطروحات المتباينة التي اتينا عليها، نخلص الى انه يراد لنا ان نغرق في الخلافات وفي محاكمات بعضنا الاخر، في وقت يجتاحنا إعصار الاحتلال والمتواطئين معه، الذي يصر على تدمير ارادة البقاء والعيش الامن المشترك والازدهار لهذا البلد واهله.
ونظرآ لسعة القاعدة الاجتماعية للقوى السياسية والشخصيات التي وقعت في اخطاء الماضي والحاضر، وعمق المأساة التي اصابت الشعب والبلاد، وطموح الناس العميق للخلاص من هذا الوضع وبلوغ شاطئ الامان، فقد غدت المطالبات بالتسامح وبقلب صفحات الماضي السلبية، تحظى بالاولوية والقبول لدى بسطاء الناس.
ان الاساس والشرط الاولي لهذا التسامح، ولتلك المصالحة الوطنية هو العودة الى الطريق السليم المعترف به، هو ان يحل العراقيون وحدهم شؤون بلدهم، وان يقطع الطريق امام التدخل الاجنبي، سواء جاء بأسم الاحتلال الامريكي، ام القوات متعددة الجنسيات، ام تحت لواء الامم المتحدة.
وهو يعني ان يكون التسامح والمصالحة الوطنية على اساس الاقرار بحق الشعب في مقاومة الاحتلال، بكل السبل الضرورية والممكنة، من اجل انجاز تحرير الوطن منه.
* * *
قال الحكماء ( من لم يعلمه الابوان علمه الزمان ) ! لكن تعليم الزمان فيه معاناة اكبر وخسائر اكثر. فهو يعني اننا سنكون امام تجربتنا ذات الاخطاء المريرة القديمة. وهو يعني اننا سنكون امام مهمة دفع اثمان باهضة لمرارات نعرفها، يمكن ويجب تفاديها.
لذلك فنحن جميعآ، نحتاج الى ان نتعلم من بعضنا البعض وان نقر بأننا جميعآ لسنا معلمين، بل تلامذة الحياة المتجددة ابدآ.
ان النقد والنقد الذاتي ضروريان الان، وفي كل وقت لجميع قوى النضال من اجل تحرير العراق وتطويره. لكننا ندرك ايضآ، ان هذا النقد والنقد الذاتي، ان هذه المراجعة الجدية والشاملة، للماضي، ليست صفقة سياسية، يمكن ان تتحقق باعلان او وثيقة وعود وتعهدات. انها عملية نضالية، فكرية وسياسية واخلاقية، واحيانآ عاطفية ايضآ، فردية وجماعية، طويلة الامد وشاقة ومعقدة.
لكنها تبقى رائد المخلصين وعنوان قدرتهم على مواصلة النضال المجيد القديم، ثم قدرتهم على التطوير ورؤية الجديد.
|
||||||||