|
|
||||||||
|
طبائع الاستبداد و الخيانة ا لم ستبد ة
مثل أكثر شعوب العالم، وخاصة الشعوب العربية، عانى شعب العراق من أنظمة الاستبداد بالأمس، وطمح إلى التغيير للأفضل. في 9/ نيسان (أبريل) / 2003، طلع علينا الحل الأمريكي، ومعه (( عراقيون ) ) ، وعدونا بربيع بغداد الجديد. فما ذا كانت حصيلة السنتين الماضيتين من هذا الربيع الطالع علينا ؟
لنبدأ بأعّز الأمور عند الناس، وهو أمنهم... فقد أنهار أمن الناس الشخصي والجماعي، وحل الرعب والصدامات والخسائر، تطال ليس الذين تشاءموا من (( ربيع )) بغداد الجديد، بل كذلك الذين فرحوا به وهلّلوا له. فلا أمن إطلاقاً خارج البيوت. ونادراً ما صار العراقي يأمن داخلها، ليلاً أو نهاراً.
تحدثوا عن مجزرة (حلبجة)، وقالوا أن كذا ألف شخص مات فيها وتحدثوا عن (هولوكست) للشيعة، تشبهاً بالابادة الجماعية لليهود في عهد النازية.
فكانت أرقام الضحايا تتصاعد. هذا يحددها ببضعة ا لا ف، وذاك يوصلها إلى مئات الألوف، وحسب أ مز جة الرواة، وقدراتهم على صياغة الروايات.
خلال السنتين الماضيتين، أي (720) يوماً جرى في العراق كله (هولوكست) كل يوم و في كل بقعة من بقاع العراق على يد المحتلين وعلى يد أعوانهم (العراقيين) الذين بشرونا بربيع بغداد. شمل الهولوكست الجديد الشيعة مثلما السنة، شمل النجف مثلما الفلوجة وتلعفر مثلما العمارة، وباعترافهم قالوا أن الضحايا من العراقيين، تجاوز المائة ألف قتيل وهم اكثر من ذلك بالطبع.
تحدثوا عن الفساد والسرقة والرشوة في زمن الاستبداد السابق. إمتيازات للحزبيين أو قصر م نيف لهذا المس ؤو ل أو ذاك، أو سيارات حديثة لبعض المح ظ و ظ ين، وملأت تلك الأحاديث، المجالس والصحافة وأجهزة الأعلام الأخرى.
أما اليوم، فالعراق كله و يباع ويشترى في سوق الصفقات السرية غالباً، والعلنية نادراً. لا ندري بالضبط كم هي وأين هي السرقات ؟ أفي المصانع والأرض والميا ه و خردة أسلحة الجيش العراقي المحطم أم بأرصدة العراق القديمة، أم بموارد النفط الجديدة، تباع أو تهرّب؟
هل تقف خسائرنا عند تدفق الأغذية والأدوية الفاسدة والكاسدة، على أسواقنا؟ أم بتحطيم معامل الدواء والكساء والبناء؟
هل اقتصرت المسروقات على موجودات البنك المركزي، أم توسعت على يد (بول بريمر) وزبانيته لتطال كل شيء؟
أصحيح أن الخسائر اقتصرت على (20/ مليار دولار) أم (200/ مليار)، أم ترليونات الدولارات؟
يوم 22/1/2005، نشرت (صوت الشعب) جريدة الحزب الشيوعي السوري، مقالاً للكاتب الأمريكي اليساري (غريغ بالاست) قال فيه :
(( في شباط / 2003، أي قبل شهر من هجوم الولايات المتحدة على العراق، وقعت بيدي وثيقة مؤلفة من (101) صفحة، قادمة من أعماق وزارة الخارجية الأمريكية، حملت إسماً ظريفاً (( تحريك الاقتصاد العراقي والثقافي إلى النمو... )) .
وبخصوص موقف العراقيين، فقد صرح احد مؤلفي الخطة : أنه بالرغم من أن وولفوفتش صرح بأن العراق سيصبح ديمقراطياً، ألا أننا سنقوم بشيء سيصّوت ضده 99% من العراقيين لو ترك الخيار لهم )) .
لقد قاموا بذلك الشيء. وتلكم هي الديمقراطية الحقيق ي ة لأمريكا!
قالوا الكثير عن أزمة الأخلاق في زمن الاستبداد، فأسهبوا وأفاضوا ثم اختل ق وا وأضافوا، ومازالوا يرددون حكاياتهم حتى الآن عن أزمة الأخلاق والقيم، في ذلك الزمان.
لكنهم وراء كل ذلك يريدون الناس أن لا ترى، ولا تتحدث عن الإفلاس النهائي للقيم المعاصرة، بعد استشراء استبداد الاحتلال واستبداد الخيانة.
تحدثت كتب تاريخنا، عن استبداد المتواطئين بالأمس مع المحتل الأجنبي، وعاد الناس يقرأونها من جديد، ونظ ن هم سينصفون خونة الأمس المتواطئين مع المحتل الأجنبي، وهم يشاهدون ما يفعله اليوم (سرّاق الأكفان)، الجدد. ومعروفة للناس، الحكاية العراقية عن (سارق الأكفان) الابن الذي ورث الفعلة عن أبيه، وأضاف أليها أنه راح يدق وتد اً في دبر الميت!
حينما رتب المحتلون الأمريكان والإنكليز و الصهاينة، لسرقة وتدمير الكتب والتراث والذاكرة، فقد كان ذلك أحد أهداف تحريرهم للعراق. وهم اليوم يكملون السرقة بتدمير الذاكرة الحضارية والنضالية لشعب العراق ، يدّمرون روح التآخي فيه، وحوافز الرفض والمقاومة في طبائعه ليغرسوا مكانها أخلاق الفرقة والخنوع.
لقد عرضنا أوجهاً كثيرة للمظالم والسرقات، وربما فاتنا أن نظهر جوانب أخرى مهمة منها. لكن لنا أن نتساءل، أي منها كبيرة الكبائر؟ فهذا التساؤل ضروري، كي لا تختلط صغار الأمور بكبائرها، وتضيع أوليات المهمات أمام جزئياتها.
في رأي أن أكبر مسروقاتنا هي الدولة العراقية، والكيان العراقي، وكلاهما يكمل الآخر فقد هدموا في ربيعهم التحريري كيان الدولة العراقية ومسخوها بهدف أبعد هو تهديم الكيان العراقي.
تكون الكيان العراقي، منذ ألوف السنيين، وصمد لصروف ال د هر و تحولاته و يظل العراق.
أما الدولة العراقية الحديثة، التي نشأت منذ (84) عاماً، ببداية هزيلة، و راحت تتكامل و تنمو، وتبعث فينا الاعتزاز، فقد أريد لها أن تهدم، في 9/نيسان/2003، بهدف أبعد هو تهديم الكيان العراقي. وتلك في تقديري أم الكبائر التي يجري التست ي ر عليها.
من هنا ترتب على العرقيين، وعلى الشعب العربي كله، أن يستبعدوا أكبر مسروقاتهم، دولة العراق الوطنية.
إزاء فضائح تلك المسروقات، كبائرها وصغائرها، تصر الخيانة على مواصلة أسماعنا معزوفات الماضي، وتروي لنا رواياتها عن طبائع الاستبداد، كي يستغفلوا الناس عن حقيقة أن استبداد الخيانة طلع علينا بما هو أمرّ وأدهى!
أتينا على جرد الحساب، الأولي، الممكن الآن، بالخسائر والأضرار والمخاطر. ولكن لنا جرد آخر نورده باختصار عن حساب القوة والكسب والآمال المقبلات.
فقد كذب طغاة الاحتلال ومستبد و الخيانة، مرة ثانية، حينما تصوروا، أو صوروا للناس وللعالم، أن العراقيين قد رضوا فرضخوا فاستكانوا. من حقهم أن يذهلوا بالرفض والمقاومة، من جانب العراقيين، وفي ظني، أنهم تبادلوا خداع بعضهم، ولكنهم لم يستطيعوا خداع العالم.
وفي ظني أيضاً، أن ما رأوه حتى الآن من الرفض العراقي سيكون، على الأرجح، هو الأقل.
|
||||||||