حجم اصغر

حجم اكبر

لطباعة الصفحة
لفتح الصحة علي برنامج : WORD
لفتح الصحة علي برنامج : ADOBE

جبهة شاملة لتحرير العراق
لا مصالحة (( وطنية )) ملغومة

 

أصّرت إدارة بوش بإلحاح على أجراء انتخابات (المجلس الوطني العراقي) في موعدها الذي قررته في الثلاثين من كانون الثاني (يناير) الماضي.

وقد أطلع العالم أيضاً على سعة الاعتراضات والتحفظات، مضموناً وشكلاً، على أجرائها في ذلك الموعد، وبتلك الكيفية التي جرت فيها.

أن بطلان شرعيتها، يحدده ليس الشطر الواسع من الشعب الذي لم يشارك فيها، بل كذلك التضليل الطويل الأمد واللجوج، الذي استخدم فيها، تجاه الناس الذين ذهبوا إلى صناديق الانتخابات.

أن من يدعّون بأن السنة العرب، في العراق، هم وحدهم الذين قاطعوها يزّورون الحقائق. فالمقاطعة الأساسية، والرفض لها كان بدوافع وطنية أساساً، واستند إلى رفض الإقرار بشرعية انتخابات يفرضها على الشعب ألاحتلال الأجنبي لصالح تثبيت شرعية إحتلاله ولإصدار دستور يكرسّ تلك الشرعية. ولذلك كان محقاً تماماً من وصفها بأنها عملية (تعريق الاحتلال ).

في تشرين الثاني من العام الماضي بادرت أكثر من (47) منظمة وقوة سياسية ودينية وعشائرية إلى الإعلان عن مقاطعتها الانتخابات وكانت تمثل التجمع الوطني الجماهيري الرافض للاحتلال. كما أعقب ذلك، انسحابات واسعة من جانب القوى التي وافقت في البداية على الدخول في تلك اللعبة.

أن فتوى المرجعية الشيعية بوجوب الاشتراك في الانتخابات، وتأجيج العصبية القومية في كردستان والابتزاز بالبطاقة التموينية، التي هي مصدر عيش المواطن العراقي، كانت، كلها، في مقدمة العوامل المؤثرة في حافز المواطنين الذين توجهوا إلى صندوق الانتخاب.

بلغ التجاوز لدور المرجعية الشيعية ولمكانتها، حد الإفتاء بوجوب الانتخاب. وقبل شهور من الانتخابات أعلن ممثلها في كربلاء، بأن من يشارك الانتخاب مثابه الجنة، ومن يرفضها مصيره جهنم !

و وصل الشطط بأحدهم بأن أعلن على أحدى الفضائيات أنه يعتبر المشاركة في الانتخابات بمثابة تجديد البيعة لأمير المؤمنين علي أبن أبي طالب (ع ) تلك كانت لقطات سريعة عن بعض جوانب الحملة الإعلامية التي مهدت ورافقت الانتخابات. وكانت نماذجاً من الدجل السياسي المعاصر لتضليل الناس.

أن نقد هذا التأثير على الوعي الشعبي وعلى الإرادة الشعبي ة ، لم يقتصر على القوى الوطنية التي عارضت الاحتلال أساساً، بل شمل حتى بعض القادة الذين مهدوا له ومازالوا يبررونه ويدعمونه كقادة الحزب الشيوعي وغيرهم.

فقد أشار السكرتير الأول للجنة المركزية للحزب المذكور، في حديثة مع جريدة الحزب (طريق الشعب) يوم 26/كانون الثاني (يناير) إلى ما أسماه: التجاوزات التي تستخدم الرموز الدينية للتأثير على قناعات الناس وعلى توجيه الناخبين. كما أشار أيضاً إلى دور المال الذي يصرف ببذخ . وقال (( نحن لا نملك هذا القدر من المال لتكريسه للنشاط الإعلامي والدعائي )) !


لنعد إلى الادعاءات التي تّصور المقاطعة للانتخابات بأنها كانت موقفاً طائفياً أقتصر على السنة وحدهم.

فهذه الطروحات المدروسة، تشطب تاريخ النضال الشعبي الطويل والمرير، من أجل الديمقراطية وضد أنظمة الاستبداد. وقبل ذلك أنها تسعى لطمس دور الاستعمار والاحتلال الأجنبي، البريطاني بالأمس، و الأنكلو أمريكي صهيوني، اليوم في تزيف جوهر النضال الشعبي الهادف لترسيخ الاستقلال الوطني ولقيام حكم دستوري ديمقراطي في العراق.

لم يمر وقت طويل بعد، كي ينسى الناس أن أكثرية سكان الوسط والجنوب هم ضد الاحتلال، وبالتالي ضد انتخاباته غير الشرعية التي فرضها هو وأتباعه على الشعب.

اتضحت تلك الأكثرية بشكل جلي، عند هبة جماهير هذه المنطقة ضد الاحتلال في شهر آب (أغسطس) من العام الماضي، بقيادة التيار الصدري والقوى الوطنية الأخرى.

ولا بد من التذكير، بأنه لم تتم أعادة سيطرة المحتلين وأعوانهم، عليها، ألا بعد التدمير الشامل والقتل الوحشي للسكان في مدن النجف والكوفة وكربلاء والكوت والحلة والعمارة والناصرية ومدينة الصدر و مدن كثيرة أخر ى .

أن ما أسموه الفوز الساحق لشيعة العراق في الانتخابات، يعبر عن تغليب الشطر الشيعي المتواطئ مع الاحتلال، بالحديد والنار، بتدمير المدن وبالمقابر الجماعية، إضافة إلى استخدام المال السياسي والدجل الإعلامي.

من سخريات القدر، ومهازل الديمقراطية الجديدة، أن الفائزين بانتخابات الاحتلال، يعدون المناطق السكانية والقوى السياسية التي قاطعتها بالتفضل عليها بتمثيلها (( بعدالة )) ، في المؤسسات التي ستنبثق عن الانتخابات وإشراكها بمناقشة الدستور الجديد. قالوا، أن الانتخابات هي الطريق الديمقراطي السلمي لإنهاء الاحتلال.

ولكن صار واضحاً، أن بعض هذه القوى التي وضعت بنداً يطالب بجدولة انسحاب قوات الاحتلال من العراق، في برنامجها الانتخابي، أنما كان بتأثير المقاومة الوطنية والرفض الشعبي الواسع للاحتلال.

وأن مطالبتهم تلك لم تكن تتعدى مساحة الخداع والتضليل الذي انتهى مباشرةً وبتصريحات معلنة بأنهم لا يطلبون انسحاب قوات الاحتلال ألا بعد توفر متطلبات الأمن الداخلي؟ بينما راح المزيد من أبناء الشعب يدركون أكثر فأكثر بأن الاحتلال هو الذي يعمد إلى تدمير الأمن الداخلي.

يلجأ مخططو سياسات الاحتلال إلى نصب الكمائن الواحدة بعد الأخرى، لتضليل الشعب ولاجتذاب قوى وطنية للدخول في حضيرة التعامل مع لعبتها السياسية، عن طريق( تعريق الاحتلال ) بواسطة مجلس نيابي قالو أنه منتخب من الشعب وحكومته منتخبة ودستور يشرع بأسم الشعب.

آخر دعاوى مناصري الاحتلال، تكرار الأقوال بأنهم يعتبرون حل الجيش هو قرار أمريكي خاطئ.

وما هذه سوى كلمات حق أخرى يراد بها باطل آخر. أن الباطل الجديد الذي يريدونه هو إضفاء الشرعية على الجيش الجديد والشرطة الجديدة اللتان يؤسسهما الاحتلال لهدف وحيد هو قمع الشعب وقمع مقاومته الوطنية، وليس حماية أمنه.

أن أبواق الاحتلال يشنون حملات مكثفة، في الفضائيات وفي أجهزة أعلامه، على جميع القوى الوطنية وخاصة على ( هيئة علماء المسلمين ) وعلى رأسها فضيلة الشيخ حارث الضاري، ساعين إلى تحويل تلك الهيئات والشخصيات الوطنية نحو مواقف العداء للمقاومة الوطنية، تحت واجهه (تحريم دم العراقيين )!

أن دم العراقيين محرّم طبعاً. لكنهم لا يهدفون في شعارهم هذا سوى تسويغ قتال العراقي إلى جانب المحتل الأجنبي ولخدمة احتلاله.

أنهم يهدفون إلى تسويغ قتال العراقي ضد أبن العراق المقاوم للاحتلال، وتحويل مقاتلهم العراقي، إلى كاسح ألغام يتقدم المحتل الأجنبي ويفتديه بثمن بخس وحتى بدون ثمن.

لكن المأزق الذي وقع فيه الاحتلال، وفشل سياساته واتساع المعارضة الشعبية والمقاومة له، يسفر عن تصدعات متلاحقة في صفوف القوى العراقية التي حشدها لتمرير مشروعه.

وقد بانت للعيان تصدعاتها وانشقاقاتها بعد الانتخابات مباشرةً، وأثناء صراعات التنافس على السلطة الناجمة عنها.

وحين يرفع بعض تلك القوى المتنافسة فيما بينها، شعار (المصالحة الوطنية)، فهي لا تعني سوى توسيع دائرة القابلين بالاحتلال وبسياساته، وهذا ما يرفضه الوطنيون قطعاً.

فقد كان موقف القوى الوطنية واعياً وجريئاً في تجنب الفخاخ التي نصبت لجرها أليها.

أبرز التعبيرات عن ذلك الموقف، كان بيان (القوى الوطنية المناهضة للاحتلال ) ، الصادر يوم 15/ شباط (فبراير) الماضي في جامع أم القرى ببغداد.

حدد ذلك البيان الشروط اللازمة للحوار الوطني ولصياغة الدستور. وكان في مقدمتها المطالبة بجدولة واضحة ومحددة ومعلنة وملتزم بها وفق ضمانات دولية، لانسحاب قوات الاحتلال من العراق، والإقرار بحق الشعب في رفض الاحتلال والاعتراف بالمقاومة الوطنية، ورفض الإرهاب الذي يستهدف العراقيين الأبرياء والمنشآت ذات النفع العام.

وأعتبر البيان الانتخابات التي أجريت، ناقصة الشرعية ولا يحق للإدارة الناشئة عنها أبرام أية اتفاقية أو معاهدة من شأنها المساس بسيادة العراق ووحدته. وطالب بإلغاء مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية والأثنية، وباعتماد مبدأ الديمقراطية والانتخابات كخيار وحيد لتداول السلطة سلمياً، والتأكيد على هوية العراق الوطنية والعربية والإسلامية.

كل تلك التحديدات، كانت بمثابة برنامج وطني سعى لتلخيص أبرز مهمات النضال الشعبي الراهنة، ولإقامة الجبهة الوطنية الشاملة كوسيلة أولى لإنجاز تحرير الوطن.

لا بد من الإقرار بأن هناك قوى وطنية أخرى، مازالت خارج أطار هذا التجمع الوطني. لذلك يظل من اللازم الدعوة إلى التحاور معها بهدف أقامة تلك الجبهة الشاملة.

إن تخطي الماضي السلبي لمواقف جميع القوى المناهضة للاحتلال، والمناضلة من اجل التحرير والديمقراطية، وتجاوز مواقع التعصب الحزبي، السياسي والعقائدي، وسيادة عقلية الوحدة والتجم ي ع، ستظل كلها لازمة لتحقيق المهمة الملحة وهي أقامة الجبهة الوطنية الشاملة.

 

باقر ابراهيم © http://www.ibaqir.net