حجم اصغر

حجم اكبر

لطباعة الصفحة
لفتح الصحة علي برنامج : WORD
لفتح الصحة علي برنامج : ADOBE

التحول في الحزب الشيوعي العراقي ردة شاملة أم زلة عابرة..؟

 

كان التحول الحاد في مواقف الحزب الشيوعي العراقي، من العداء الثابت للإمبريالية العالمية، بوصفها العدو الأول لشعبنا، إلى التحالف المباشر معها، ومع مخططها في العراق، قد أذهل الكثيرين، وربما اعتبره البعض تحولا مفاجئا .

لكن المتابعين عن قرب، لمواقفه، خاصة منذ نحو اربعة عشر عاما مضت، سيجد أن ذلك التحول المعلن، عريق في زمانه، وعميق ومدروس في مضامينه واهدافه القريبة والنهائية .

أنا اتحدث عن هذا التحول بوصفي أحد المتابعين له، وحيث كنت في تلك المؤسسة التي تحولت، وكتبت عنه العديد من الدراسات والمعالجات التي عرفها كثيرون .

في 23 آذار/مارس 1991 نشرت لي جريدة "الشعب" الجزائرية مقالا بعنوان "الشيوعيون العراقيون وطنيون يرفضون طعن العراق من الخلف ".

تناول ذلك المقال التعقيب على بيان الحزب الشيوعي الذي اصدره يوم اعلان الحرب الأولى على العراق في 17/1/1991، وقلت فيه "إن البيان تجنب تسمية حرب الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها بالعدوان. ولا توجد فيه كلمة واحدة تتحدث عن مهمة القوات المسلحة العراقية في الدفاع عن الوطن ضد العدوان الإمبريالي الصهيوني الرجعي .

إن بيان الحزب الجديد لا يمكن فصله عن تبرير "خيار الحرب " ودعمه وتعليق الآمال عليه، وعلى المشاركة مع التحالف المعادي بذريعة ما اعتبره " النضال من أجل تحقيق البديل الوطني الديمقراطي في العراق، أي التعاون بوضوح لا لبس فيه، مع الجبهة المعادية، جبهة بوش ـ تاتشر وغيرهم ".

وكانت جريدة "الشعب " الجزائرية قد قدمت لمقالتي تلك بقولها "تعد هذه الرسالة من الأهمية بمكان نظرا للمكانة التي يتمتع بها باقر ابراهيم داخليا وعلى المستوى الدولي، فقد كان عنصرا بارزا في المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي، تحمل مسؤولية التنظيم المركزي لأكثر من 30 عاما، وتكفل بإعادة تركيب الحزب بعد الضربات التي تلقاها في أواخر السبعينيات ".

وجدت فائدة وضرورة، في العودة قليلا لاستذكار المواقف في السنوات الخوالي، فهناك من يصور الأمر بأن "صدفة تاريخية" هي التي جمعت الحزب الشيوعي وقادته، ليقفوا في صف الإمبريالية، ثم الخنوع لإرادتها ومخططاتها بالكامل .

 

اميركا من العدو الأول إلى الحليف الأكبر

إن حقيقة هذا التحول أعلنه جهارا قادة الحزبين الكرديين، والأحزاب الأخرى التي تواطأت مباشرة مع الإحتلال الأميركي، بدون تستير .

إلا أن قادة الحزب الشيوعي العراقي، يظنون بأنهم برعوا في الدهاء، لذلك فهم سعوا لأن يكونوا أمهر اللاعبين في اخفاء حقيقة تحولهم، بل أكثر من ذلك، لإظهار تواطئهم مع المحتل، بأنه استمرار واستكمال للمهمات الوطنية والأممية السابقة .

لذلك لا بد من جهد اضافي لإزاحة ستائر التعتيم على المواقف. إن الإنقلاب في موقف الحزب الشيوعي من الإمبريالية العالمية، كان الركن الأساسي في ردته .

فمن المعروف أن الشيوعية في العراق نشأت في ثلاثينيات القرن الماضي، وتأسس حزبها، كحاجة سياسية للنضال الوطني، ضد الإستعمار، وكحاجة لتغيير حياة كادحي الشعب وبهدف بعيد هو بلوغ الاشتراكية .

كانت "لجنة مكافحة الإستعمار والإستثمار" هي البداية لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي عام 1934. وفي هذه التسمية يمكن ملاحظة الجمع بين جانبي النضال الوطني ضد الإستعمار، والإجتماعي من أجل التقدم والاشتراكية. كان الجمع بين هذين الجانبين هو الصفة الثابتة التي ميزت نضال الحزب في كل تاريخه، حتى حصول الإرتداد عن تلك المبادىء وبدرجة باتت واضحة تماما منذ 14 عاما مضت .

نحن إذا نعتز بمآثر مؤسسي الشيوعية والاشتراكية، وقادة التحرير، فمن المفيد أن نذكر "أن لينين قد اشار إلى أن ملك افغانسان كان أكثر ديمقراطية من اعتى الديمقراطيات الاستعمارية لكونه يدافع عن استقلال بلاده ".

ونذكر أيضا أن مؤسس الحزب الشيوعي العراقي، يوسف سلمان "فهد" قال عن الإستعمار في جريدة "العصبة" الصادرة في بغداد في 16 حزيران/يونيو 1946 ما يلي :
" إن الإستعمار الذي تجابهه الشعوب المكافحة في سبيل انعتاقها، عدو جبار وعنيد يمثل الرأسمالية العالمية المتشابكة مصالحها ومؤسساتها المالية، عدو مسلح من أسفله إلى قمته، عدو لا تفيد معه اساليب النضال القديمة، ولا يفيد معه الصراخ والعويل والمطالبة بالحق ".

لقد اندمج نضال الحزب الشيوعي، مع نضال الوطنيين الآخرين من جميع الإتجاهات السياسية والعقائدية، وحققوا بوحدتهم،   منجزات هامة للعراق، وفي مقدمتها انجاز الإستقلال الوطني، وتطوير بلدهم .

في هذا النضال، قدم الشيوعيون، مع الوطنيين الآخرين، تضحيات غالية، وقوافل الشهداء. كما وقع الجميع في الأخطاء التي أضرت بتلك المسيرة، واضعفتها وقلصت منجزاتها، وعرضتها لأخطار، استثمرها المتربصون بالوطن، وفي مقدمتها التحالف الانجلو ـ اميركي ـ الصهيوني .

يمكن القول، بأن أكبر نجاح للأعداء، في استثمار الأخطاء، هو مكسبهم الذي خرجوا به في الحصول على قوى سياسية، عريقة في النضال، ترتد عنه، لتدخل في علاقة الرضوخ لهم، ومنها الحزب الشيوعي .

 

وقفة مع مبررات المرتدين

ومثلما كان النظام السابق، نموذجيا وصارخا في القسوة، وفي رفض الإصلاحات الديمقراطية، فقد كان الإرتداد عن القيم الوطنية والديمقراطية، في جانب الكثير من القوى والأحزاب التي عارضت ذلك النظام، ومنها الحزب الشيوعي، نموذجيا وصارخا ايضا، حيث انتهى بها إلى الهرولة للدخول في مخطط اعداء الوطن .

من المفيد أن نتمعن قليلا، في مبررات قادة الحزب الشيوعي، ومن سار في ذات الطريق بقبول الحل الخارجي للخلاص من الدكتاتورية، ثم انتهى بهم المطاف إلى التواطؤ مع غزاة وطنهم .

برر هؤلاء تحولهم من معاداة الإمبريالية إلى التواطؤ معها، بذريعة الخلاص من نظام الإستبداد الذي كان يقوده حزب البعث العربي الإشتراكي .

تاريخ العلاقة بين الحزبين، وانفتاحها على التحالف الرسمي، في القضايا الوطنية الرئيسية، يمتد إلى عام 1956، أي إلى نحو 48 عاما مضت، شهدت التحالفات الوثيقة والخصومات الدامية .

وهذه العلاقات مع الحزب الشيوعي، ومع القوى الكردية، والأحزاب القومية والإسلامية والليبرالية، مهما تقاربت بالتحالف، أو تباعدت بالخصومات، فقد ظلت علاقات داخلية تحل بالرجوع إلى الشعب وحكمه فيها .

من هنا يمكن أن نتلمس موقع الإنقلاب على الماضي، ومن المفيد أن نرجع بعض الشيء إلى الماضي .
يوم 17
تموز/يوليو 1973، وقع في حفل مهيب ميثاق "الجبهة الوطنية والقومية التقدمية" بين حزبي البعث والشيوعي بحضور جمع من قادة الحزبين، وضمنهم قادة الدولة .

جاء في خطاب سكرتير الحزب الشيوعي في حفل التوقيع، الفكرة التي تقول: "بأن هذا التحالف بين الحزبين يمكن أن يمتد بنا لنجد انفسنا شيئا واحدا"..! ومعروف ماذا تعني فكرة أن يجد حزبان سياسيان انفسهما (شيئا واحدا )!
قد لا يعرف الناس، أن من صاغوا تلك
الموضوعة اللافتة للنظر، ومن اعلنوها، هم ممن دخلوا اليوم، تحت خيمة الولاء لأميركا وتنفيذ سياساتها عمليا ومنها "اجتثاث حزب البعث ".

بعد تفكك الجبهة الوطنية، وشن الحملة القمعية من جانب السلطة، على الشيوعيين، دارت الدنيا، فتحول بعض القادة الشيوعيين، المقموعين المضطهدين من قبل البعثيين إلى دعاة متحمسين لاحتلال العراق أو "تحريره"..! وإلى شتامين لمن يقاوم الإحتلال ومن يؤيد المقاومة، في حين ظل بعض القادة الشيوعيين، المقموعين والمضطهدين أيضا، على ثباتهم في التصدي للعدوان الإمبريالي وفي الدفاع عن الوطن .

ودارت الدنيا أيضا، فتحول كثرة من البعثيين القامعين بالأمس إلى مشاركين في المقاومة الوطنية .

لقد عرف عن الحزب الشيوعي، رغم اخطائه، بأنه حزب النضال الثابت ضد الإمبريالية، كما عرف حزب البعث العربي الإشتراكي، رغم منجزات نضاله، ومنها في حكمه الأخير، بأنه اشتهر ليس باللجوء إلى العنف واقامة نظام الإستبداد فقط بل كذلك بالمرونة في التعامل مع اميركا .

أمام هذه الحقائق تنشأ التساؤلات التالية: بعد أن تحولت الإمبريالية من خطر داهم إلى احتلال قائم وعدوان غاشم، لماذا يبدأ حزب البعث بالتصدي لها ومقاومتها..؟ وهل يجوز أن ينتهي الحزب الشيوعي إلى قبولها والتواطؤ معها..؟

هل يجوز أن تكون عثرات الماضي لدى الحزب الأول، مقبرة لدفن منجزات الحاضر..؟

وهل ستشفع مآثر الماضي، في سجل الحزب الثاني، لتكون جواز مرور لآثام الحاضر..؟

اخيرا: هل يصح الجمود على احكام ومسلمات الماضي، أم أنها تحتاج إلى تقييمات جديدة وبعقل جديد..؟

 

الهجرة المشؤومة عجلت السقوط

في آخر اجتماعات اللجنة العليا للجبهة الوطنية، في نهاية عام 1978، تحدث صدام حسين، عن زيارته لكوبا، وعن احاديث كاسترو معه .

ومما ذكره ما معناه أن كاسترو قال "نحن نريد بناء الاشتراكية في كوبا على طريقتنا، وإذ وجد مليون كوبي، لا يريدون ذلك، فبإمكانهم أن يخرجوا، والأبواب مفتوحة لهم .

وقد فهمنا أن صدام كان بهذا الحديث، يخاطب الحزب الشيوعي تحديداً، وكذلك كل القوى الأخرى التي لها رأي آخر .

في اعقاب ذلك الحديث، وحتى قبله، كانت الإجراءات تتخذ لحمل الشيوعيين وبقية المعارضين، على هجرة واسعة، وتحول الحزب الشيوعي إلى حزب مهاجر .

رغم أن هذه الهجرة شملت قوى وطنية أخرى أيضا، إلا أنها كانت مأساوية على الحزب الشيوعي تحديداً .
تضافرت عوامل القمع، ثم الهجرة، والإبتعاد عن الشعب
ومعاناته، مع عوامل التطرف واستفحال تأثير "المال السياسي" لتدمير قسم كبير من ذخيرة الحزب المهمة، أي كادره المجرب .

في ظروف الهجرة القاسية هذه انتهى الحزب إلى الحالة التي وضع فيها برنامجه ونظامه الداخلي على الرف، ولأن تسيطر فيه العناصر التي استحوذت على مفاتيح المال والسلاح والإعلام والعلاقات مع اجهزة المخابرات الدولية .
تسارع تدمير الحزب من الداخل ومن الخارج، فتحول في البداية، إلى حزب
تابع يفقد استقلاليته، ثم إلى حزب خانع لأخطر اعداء الشعب والوطن .

 

تغييرات في التركيب وفي الحوافز

في مواجهة الإستبداد،، قدمت جميع القوى المناضلة من أجل التغيير، وبدون استثناء، تضحيات غالية. كان نصيب الشيوعيين عاليا، من تلك التضحيات، بسبب سعة شعبيتهم، وبسبب الخشية منها .

تولدت لدى الشيوعيين مرارة قاسية من الاضطهاد الذي وجه لهم، لأنهم كانوا لحقبة من الزمن، أكثر الأحزاب السياسية ميلا لنسيان الماضي، ثم لتجرع مرارات التحالف من جديد مع حزب البعث الحاكم، بدوافع الشعور بالمسؤولية الوطنية، وتلك كانت احدى مآثرهم .

بعد أن تحول الحزب، إلى حزب مهاجر، وانفصل تماما عن تربته الشعبية، التي تمده بعناصر البقاء والنماء، بدأت تدريجيا، التحولات الخطيرة، ليس في اهدافه فحسب، بل كذلك في تركيبته وفي حوافز مناضليه .

واشرنا اعلاه إلى اهمية الإمساك بمفاتيح المال والسلاح والاعلام والعلاقات بأجهزة المخابرات الدولية، وإلى تواري أثر برنامج الحزب ونظامه الداخلي .

تحول الحقد المشروع على الخصم الطبقي والسياسي، إلى حقد أعمى للخلاص من ذلك النظام أولا، وبأية وسيلة كانت، ومع أي حليف كان. ومعروف أن "الحقد هو اسوأ مرشد للإنسان ".

انسياقا وراء نزعات الحقد الأعمى، راح الحزب الشيوعي، يعتبر نفسه الوارث لمآثر الشهداء، ملأ مقراته التي فتحت اثر احتلال العراق واكتظت صحافته بصورهم وبالحديث عنهم، وعن المقابر الجماعية، وكانت كلمات حق يراد بها باطل .

إن انسانية الحزب الشيوعي، والجوقة المتواطئة مع الإحتلال، تبخرت أمام المجازر الشاملة والمقابر الجماعية الجديدة، وهدم المدن، والقتل العشوائي للناس .

انتهى الحزب إلى القبول بأسوأ الوسائل للخلاص من نظام الإستبداد، فكانت تلك الوسائل، تأييد للحصار الظالم على العراق، ثم شن الحرب العدوانية عليه واحتلاله، واسقاط نظامه بهذه الوسيلة .

كما انتهى الحزب إلى القبول بالتحالف مع اسوأ الحلفاء، وهم الإمبريالية العالمية، بقيادة اميركا والرجعية المحلية، علما أنه لم يستطع أن يحظى بمرتبة " الحليف" بل قبل بمرتبة التابع الذليل .

جرت الإشارة، في مكان سابق، إلى التأثير الكبير للمال السياسي، في تغيير حوافز الكثير من كوادر وعناصر الحزب، ثم على تركيبته بكاملها .

في مذكرتي التي وجهتها إلى الأحزاب العربية، في الأول من تشرين الأول/اكتوبر 2002 قلت: "إن نقاشات كثيرة جرت، وما زالت تجري، بين الشيوعيين والوطنيين العراقيين، حول المعطيات وحول المسؤولية عن سرقة اموال الحزب الشيوعي العراقي، وهي تتعلق بمبالغ تقدر بملايين من الدولارات، إلى جانب الإستيلاء على بعض مؤسساته الثقافية والإقتصادية. ورغم أهمية هذه القضية، إلا أن ما يتقدم عليها، هو اهمية البحث في المسؤولية عن سرقة وطنية هذا الحزب المكافح، وسرقة تراثه وامجاده الوطنية ".

وأود أن اضيف الآن، على هذه الفكرة الواردة اعلاه، بأنه ازدادت اليوم، وبعد احتلال العراق، المسؤولية عن كشف فضائح وسرقات أكبر للمال السياسي، ولسرقة وطنية الحزب وتراثه الوطني .

كان للمال السياسي واغرائه، دور معين في تبديل ولاءات شطر من كادر الحزب، وخاصة بين مثقفيه، والعاملين في اجهزة اعلام ه .

لكن ذلك الدور المحدود، تطور بعد احتلال العراق، إلى مساومة عضو الحزب بكل ما يتعلق بالتزكية للحصول على العمل أو لرد الحقوق المسلوبة .

ليوم يطلب إلى اعضاء الحزب والمتعاطفين معه ملأ الاستمارات للحصول على التقاعد وقطع الأراضي السكنية، لمن اسهموا "بنضال الأمس" ويصيح مناديهم "يا جوعان جاي"..! وركض ليس بعض الجياع فقط، بل كذلك الطامعون بالثراء .

لكن تلك الإستمارات والتزكيات، اقتصرت على من يؤيد ويدعم " نضال اليوم" وحرم من يخالفه أو يعترض عليه .

ربما لن يكون بعيدا ذلك اليوم، الذي سيكتشف فيه الناس، الذين ملأوا تلك الاستمارات بأنهم كانوا يركضون وراء سراب، وبأن حصة الأسد من "الغنائم" كانت وستظل للبرامكة الحمر .

من الضروري أن نذكر أيضا، بأن "مناضلي الأمس" الذين حرموا من تلك "المكرمات" المزعومة، في ظل احتلال ودمار بلدهم، اعتبروه حرمانا مريحا لهم .

بعد ذلك، انتقل من الحديث عن جزرة "المال السياسي" إلى عصا القمع السياسي داخل الحزب .

لم تكن هذه التحولات في اتجاهات الحزب، بنت يومها، أو تولدت فجأة، وهي قوبلت باعتراضات واسعة، شملت اكثرية اعضاء الحزب، خاصة بين كادره القديم، المجرب .

لكن قيادة الحزب، لم تواجه تلك الخلافات الداخلية، بروح الديمقراطية والصبر والتفهم ل غ رض معالجتها، وهي الإجراءات المفترضة في الأحزاب الديمقراطية.. إذ لجأت إلى تأسيس اجهزة مخابرات داخل الحزب، باسم حمايته من دسائس الأعداء، إلا انها تحولت إلى ادوات افساد لكامل الحياة الحزبية فيه، وصار اللجوء إلى القمع والطرد والعزل داخل الحزب، وهذه الحالة تفاقمت بعد الإحتلال، لدرجة أن الحزب صار يتكون لا من قيادة تقبل الإحتلال وتربط مصيرها به، بل من عضوية تسايرها في ذلك، أو لا تعترض عليها .

يشعر كثرة من الأصدقاء، بوجود اتجاهات أو آراء داخل الحزب الشيوعي الآن تعترض على هذه السياسة، بهذا القدر أو ذاك، أو تريد اعادة النظر فيها باتجاه تصحيحها، وهذا ما ينبغي الترحيب به من جانب كل المخلصين، والحرص الدائم على مخاطبته، خاصة وأن فشل السياسة الراهنة وخيبة الأمل منها، سيزيد من الإعتراضات عليها .

 

العداء لعروبة العراق الوجه القبيح للردة

إن العداء لعروبة العراق، الذي تجري تغذيته الآن، هو نزعة غير اصيلة في الحزب الشيوعي، بل هو أحد ملامح الوجه القبيح للردة الراهنة .

فمبدأ الأممية، الذي يعتمد تكوين الجبهة العالمية المضادة للإمبريالية والحرب، والمناضلة من أجل التحرر والتقدم الاجتماعي والاشتراكية، هو مبدأ سليم، بدليل أنه ترسخ بتأثير مبادرات الشيوعيين وغيرهم، في جميع الفصائل المناضلة من أجل التغيير والتحرير .

لم تكن الأممية يوما ما، في تعارض مع الوطنية والقومية، بل يكمل بعضها الآخر، ولم يكن سليما ذاك التصور المقصود الذي يغرسه المرتدون، بأن اعتبار العراق، جزءاً من الوطن العربي ومن أمة الإسلام، يتعارض مع حقوق ومصالح التكونيات القومية والدينية الأخرى، التي تألف شعبنا العراقي منها تاريخيا .

لم تكن علمانية الشيوعيين يوما ما، عائقا امام تفهمهم واندماجهم مع دور جميع الأديان، وفي مقدمتها الإسلام من أجل تحرير وتقدم الانسان في العراق، وفي كل مكان .

بالطبع، لا يفوت الناس الواعين، أن العقل اليميني المتصهين، الذي يقود الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها، والذي هيأ لاحتلال العراق وتدميره، كان حريصا على تكريس المفاهيم الجديدة، التي ارادها، ومنها فك ارتباط العراق والعراقيين، عاطفيا ونفسيا أولا، ثم سياسيا وعمليا، بوطنهم العربي الكبير، ثم بأمة الإسلام .

انهم حين يلغون الأممية النضالية السليمة، يؤسسون لأممية جديدة هي العولمة الإمبريالية، ويؤسسون لقبول "الشرق الأوسط الكبير" الذي يتسع، لا لقبول الدولة الصهيونية العدوانية فيه، بل لمشاركتها في السيادة عليه .

بدلا من أن يستمر الحزب الشيوعي في أداء دوره المؤثر المعروف، في اجتذاب الشعب الكردي وقياداته، وكذلك الأقليات القومية والدينية، نحو الوحدة الوطنية، ووحدة الأهداف الوطنية، فهو راح اليوم يكرس الحساسية تجاه انتساب العراق العربي واثره على النضال الراهن .

من النزعات الملحوظة، المرافقة اليوم للردة، هذا الإستجداء الرخيص، لعواطف الأقليات القومية والدينية، كالآشوريين والكلدان، والصابئة، والأكراد الفيلية، وربما لم يعد خافيا أيضا، استجداء العواطف المذهبية للشيعة، لدرجة القبول بتمثيلهم في هيئات سلطة الإحتلال .

واضح أن ثمن ذلك الإستجداء، ليس ضمان حقوق ومصالح هذه الأقليات، التي هي جزء عزيز من التركيبة الوطنية العراقية، بل ادخالها تحت خيمة الولاء للسيد الجديد، ولصالح تنفيذ مخططاته، لكن عمر الكذب قصير، وعمر النفاق السياسي أقصر. لذلك اتصور أن وقائع الحياة، بعد الإحتلال، لا تسمح بتسهيل مرور تلك المخططات المرسومة، وهي تعري نوايا السيد الجديد واعوانه .

وبتأثير التجربة الملموسة أيضا، ستنمو الحاجة للوحدة العراقية المناضلة من أجل تحرير الوطن وتقدمه، ومن أجل نشدان العون الضروري لهذا النضال، من أمة العرب والإسلام، ومن الجبهة العالمية المعادية للإمبريالية والحرب .

 

الحزب الشيوعي يدعم فاشية الإحتلال

انغمر قادة الحزب في كل عمليات التحضير لاحتلال العراق، ولتطبيق مشروعه المخطط له، لدرجة لم يكن يتصورها الكثيرون، ومع ذلك يوجد بينهم، أو بين من يتعاطف مع موقفهم، من يجادلك بنفي ذلك. لقد جادلوا الكاتب الأردني موفق محادين، (جريدة " العرب اليوم" الصادرة بتاريخ 4/11/2004) وقالوا له "نتحداكم أن تذكروا اسم شيوعي عراقي واحد، اعلن أنه يؤيد ويدعم العمليات العسكرية الأميركية ضد المقاومة ..".. وذكر لهم موفق محادين اسم احدهم، لكن الوقائع والوثائق تشير إلى أن كبارهم فعلوا ذلك، ودعموا القمع الفاشي للمقاومة وتدمير المدن العراقية البطلة، بسبب رفضها للإحتلال .

حين اعلنوا ذلك، لم يغب عن بالهم تغليف موقفهم اللا انساني بالإدعاء " بأنه اجراء قد يكون مؤسفا ومؤلما.."..! من المفيد ايراد بعض الدلائل على ذلك .

في العدد 16 الصادر في 2 تشرين الأول/اكتوبر الماضي، من جريدة الحزب المركزية "طريق الشعب" نشرت على صفحتها الأولى تصريحات لسكرتير الحزب قال فيها "إن الأحداث المتسارعة والصدامات تفرض اجراء عسكريا معينا، قد يكون مؤسفا ومؤلما في اكثر الأحايين، ولكنه قد يؤدي في الوقت ذاته إلى تقليص حجم وعدد الأعمال الإرهابية والتخريبية ..".

لقد صدرت تلك "الفتوى الحمراء" لتتناغم مع هدير الطائرات والدبابات وقصف المدفعية، يدمر مدن الفلوجة والنجف الأشرف وسامراء والصدر والرمادي وتلعفر، وغيرها ويدفن المئات من السكان الآمنين تحت انقاض بيوتهم المدمرة، ويمنع علاج الجرحى بل يقتلون.. مع ذلك تظل هذه البشاعات كلها "اجراء عكسريا مفروضا " !

إن المرتدين الجدد يهيمون شغفا بأمور كثيرة، منها حكم القانون، ولست أدري ما إذا كان حكم القانون سيبرىء مستقبلا من يدعو لارتكاب تلك ال مجازر من المسؤولية..؟

في 2 تشرين الأول/اكتوبر الماضي، نشرت جريدة "القدس العربي"، خبرا عن الدور الذي مارسه ممثل الحزب الشيوعي العراقي في المؤتمر الأخير لحزب العمال البريطاني، حين تصدى لمشروع قدمه معارضون للحرب، طالبوا توني بلير بتحديد موعد لانسحاب القوات البريطانية من العراق .

عند تقديم ذلك المشروع، شرع ممثل الحزب الشيوعي العراقي، بذرف الدموع تعبيرا عن الخشية من انسحاب اميركا وبريطانيا الآن، وذكروا بأن دموعه قد أثرت على بعض النواب. وتعقيبا على موقف الحزب الشيوعي هذا فقد وصف النائب البريطاني "جورج غالاوي" الموقف بأنه "احدث خيانة للحزب الذي دعم الحرب القذرة والعقوبات ضد الشعب العراقي".

إن غزاة الوطن، كانوا يعرفون مسبقا الضرورة الماسة لدور الأحزاب والشخصيات المرتدة، التي ستبرر لهم غزوهم وتدعم بقاءه بوصفهم " أهل البلد"، لذلك ضمنوا مشاركة "أهل البلد" فيه، ومطالباتهم باستمراره ..!

 

وجه ناصع في الشيوعية العراقية

إن الحديث عن الردة في مواقف الحزب الشيوعي، والأحزاب والقوى والشخصيات التي انتهجت نهجه، هو تناول الجانب المظلم من الحالة العراقية .

لكن في العراق، مثل أي بلد آخر، بشر يظلون يتعلقون بالحياة وبالأرض، وبكرامة تلك الحياة، والاعتزاز بالأرض التي يعيشون فيها .

لم تكن الخيانة لمصالح الناس ولحرمة الوطن، نزوة عابرة رغم انها كانت مواقف الأقلية .

كذلك الوطنية، والتشبث بالحياة الكريمة التي هي ارادة الأكثرية، ما كانت يوما رغبة عابرة، يؤسسها، أو يلغيها حزب أو نخبة أو قائد. لهذه الأسباب بالذات، فقد ظهر في العراق أيضا، ما يشرف السجل الشيوعي الناصع فيه .

يؤكد هذه الحقيقة أن المئات من شخصياته المعروفة، ومن اعضائه واصدقائه، بينهم عشرات من الكتاب والمثقفين، قد رفضوا السير في ذلك الدرب الذي وصفناه فيما تقدم، والكثير منهم واصلوا مسيرة النضال الوطني ومن أجل التقدم، وهم يكونون اليوم، فصيلا مهما فيها، وبين هؤلاء الكثير ممن اسهموا في نضال الحزب لعشرات السنين، وفي اعادة بناء منظماته وفي قيادته بمستويات مختلفة .

كانت عضوية الحزب الشيوعي، قبل آخر حملة قمعية وجهت ضده عام 1978، تتكون من نحو 30 ألف عضو و70 ألف صديق، يدفعون له التبرعات ويقرأون جريدته اليومية "طريق الشعب"، وقسم كبير منهم منظمون في حلقات للأصدقاء، وإذا استثنينا الحزب الشيوعي الكردستاني، فإن الأغلبية الساحقة من هذه "المئة الف" شيوعي، ومن سبق لهم العمل في صفوفه غيرهم، هم الآن خارجه رغم الرعاية المدللة التي اغدقها المحتلون على الحزب . لم يكن ذلك الإبتعاد بسبب تعب الشيوعيين كما يدعون، فالأسباب كانت كثيرة، وفي مقدمتها رفضهم لسياسته الجديدة المؤيدة للحرب والإحتلال .

كان حافز الشيوعيين العراقيين الذين ظلوا محتفظين بهويتهم القديمة هو الشعور بالمسؤولية الوطنية والقومية والأممية، هو حرصه م على الحفاظ على اصالة الحزب الطبقية كفصيل يمثل كادحي الشعب .

فالشعب العراقي، والعالم كله، عرفوا الحزب بهذه الهوية فقط، ونحن وهم يرفضون أن تبدّل أو تشوّه .

باقر ابراهيم © http://www.ibaqir.net