حجم اصغر

حجم اكبر

لطباعة الصفحة
لفتح الصحة علي برنامج : WORD
لفتح الصحة علي برنامج : ADOBE

 

مشروع دراسات الديمقراطية

في البلدان العربية

 

اللقاء السنوي الرابع عشر

"الاستبداد و التغلب في نظم الحكم العربية المعاصره"

 

***********************

( الورقة الثامنة عشر )

 

الغزو عدوان واستبداد وتعميق للشقاق

باقر إبراهيم

 

***********************

ST. CATHERINE'S COLLEGE, UNIVERISTY OF OXFORD ,

MANOR ROAD, OXFORD , UK .

 

السبت 28/8/2004م

 

تسحق حريات الناس في عالمنا العربي، حيث يكبل الشعب بالعبودية ويهان، باسم الحفاظ على وحدة الوطن وكرامة الأمة، وبدعوى الصمود أمام غزو الأجنبي الطامع فينا.

وباسم الديمقراطية وحقوق الإنسان، باسم التعددية والتداولية والتوافقية، بدعوى فك اسر من استعبدتهم نظم الاستبداد الداخلي، وباسم درء أخطار عودة نظم الاستبداد مجدداً، صار يقبل بقاء قوات الأجنبي الطامع فينا.

وصار من الحق الموافقة بان تستقر قواعد عسكرية، تغطي ارض الوطن، تحمي من يخاف عودة الاستبداد الداخلي (الاستعمار الداخلي كما يسمونه)، وتوفر له بوليصة تامين طول العمر!

باسم تامين المساواة والعدالة بين القوميات والاقليات الدينية والمذهبية،صار مقبولا ايضا، ضمان حماية الأجنبي المحتل ورعايته لتلك المساواة والعدالة، التي انتهكتها نظم الاستبداد!

ل غ رض تبرير كل ما قيل أعلاه، ول غ رض توفير التصديق الشعبي عليه، كان لا بد من اللعب على التاريخ، على الماضي والحاضر، كي يمر التزوير المقبل. ولا جل التفسير والتبرير، راح المزورون وخاصة المرتدين منهم، يزيفون روح الإسلام والمسيح ونهج الصحابة والأئمة الأطهار. وقد حملوا فلسفة العرب والإسلام واليونان والرومان، والناصرية والماركسية والغاندية والتراث الوطني، ما لا يطيق حمله من التشوهات، ومن قلب المعاني والمقاصد.

سؤال كبير يوجهونه: لماذا الضجيج على التدخل الخارجي هنا أو هناك، وقد أملته الضرورة التاريخية، (والتقاء المقاصد)، في هذا البلد أو آذاك، في أفغانستان بالأمس، وفي العراق اليوم، وفي بلد أخر غداً.

لماذا لا تنتبهوا إلى ان أكثرية دول العروبة والإسلام والعالم الثالث، باقية وما شيه ، لا أحد جيش الجيوش لاحتلالها، أو يتعمد إزعاجها؟

أخيرا: لماذا ت قي مون الدنيا بالاحتجاج على وجود قواعد عسكرية تضمن عدم عودة الاستبداد .

 

في حين يزرع العالم كله، بما فيه أوروبا والدول العظم ى ، بتلك القواعد الأمريكية؟

المهم في كل هذا التزوير، ضمان الاستسلام لفكرة الغزو، وان يضمن للغازي الحق في ذلك حتى دون ان يغزو، وللاستعمار ان يعود حتى دون ان يعلن.

***

سلطة التغيير وتسلط الاستبداد

 

كتب الكثير عن دور الإغراء والرشوة في جانب، وعن القمع السياسي والاجتماعي والتشريد والحرمان، لمنع التغيير والإصلاح، في الجانب الأخر.

لكن أحد الأخطار المهمة، التي عرضت ثورات وقوى التغيير والتقدم، للانحراف ثم الخروج على مبادئها، هو السلطة. انه الاستحواذ على السلطة، أو المشاركة فيها اولا، هو الدفاع عن ذلك الاستحواذ، أو عن تلك المشاركة اولا، مع أضعاف النضال من اجل التغيير، ثم تجاهله.

في المفهوم الثوري، تعتبر السلطة هي المسالة المركزية في الثورة الاجتماعية وهذا صحيح بوصفها أداة تحقيق التغيير، حينما تصبح الأكثرية المسحوقة في السلطة. لكن التغيير مهمة دائمة لا تتوقف، والثورة الاجتماعية مهمة دائمة لا تتوقف. أما حين تتحول مهمة التغيير إلى هدف الحفاظ على السلطة اولا، فان القضية المركزية لإنجاز الثورة الاجتماعية، تتحول إلى القضية المركزية في ضياعها .

أنها تتحول إلى سبب في ضياع الأمل بالتغيير، حين تتحول إلى جهاز للحفاظ على ال س كون ثم لرفض التغيير.

في كل ذلك، كان الجانب الجوهري في ضياع تجارب بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية واسيا، وفي أنظمة حركة التحرر العربية. في تلك التجارب أصاب التغيير، السكون ثم التراجع، وليس في موضوع الاستبداد في الحكم، وتحويل الحزب الحاكم إلى سلطة مطلقة فحسب، بل كان هناك ايضا، العامل الأشد تأثيرا بين عوامل الانهيار، وهو المتعلق بالأساس المادي للتغيير، أي بحياة الناس المعيشية، وبتحسين حال البلد وبالرفاه العام .

 

***

الوعي واللاوعي في ممارسة الخيانة الوطنية

كان الغلو في الاستبداد والقهر واستشراء الفساد السياسي والاجتماعي وبروز ظاهرة (برا مك ة الثورات)، ورفض الإصلاحات الداخلية ، كان ذلك من العوامل المشجعة على تثبيط همة الشعب وقدرته على الدفاع عن وطنه أمام الغزو الخارجي المتحفز للانقضاض.

هذه الحقيقة المؤلمة، وضعت على عاتق قوى النضال من اجل التحرير والتغيير، مهمات إضافية صعبة ومعقدة وتتطلب امتداداً زمنياً.

حين نبدا الحديث عن ممارسة الخيانة الوطنية، وقبول الحل الخارجي للخلاص من براثن الاستبداد، نقول انه يندمج فيهما، من كانوا في معسكر التواطؤ مع الغزو أصلا، بدوافع مصالحهم الطبقية، إلى جانب المرتدين الذين هجروا مواقع النضال من اجل التحرر والتغيير.

ان النموذج العراقي لهذه الممارسة، موجودة في كل قطر يمر بالظروف المشابهة للعراق.

في كل قطر عربي أو إسلامي، أو من العالم الثالث، يوجد مجلس حكم متواطئ جاهز، فيه إسلاميون وليبراليون، وشيوعيون، وقوميون، جاهزون للخيانة، وقد صاروا يعلنون عن أنفسهم.

ومثلما تكون الوطنية، والنضال من اجل التحرير والتقدم، هي سمة عالمية، أساسها مصالح الشعوب والأمم، ومصالح شغيلتها خاصة، فان الخيانة والردة ، هي سمة عالمية ايضا، أساسها تلاقي مصالح المستثمرين مع الغازي الأجنبي.

لم يعد اكتشافا ، حين نقول ان اليمين الأمريكي، المتعاون مع الصهيونية، يسعى لاستغلال نضال الشعوب ضد نظم الاستبداد، استغلال طموحها من اجل الديمقراطية، لإيقاعها في وهم الا ستنجاد به كمنقذ، ولطمس الحقيقة المعروفة عنه بأنه الأشد خطراً.

من هنا، فان المنظرين وأشباه المثقفين، الذي يروجون لقبول الحل الخارجي من اجل الخلاص من الاستبداد الداخلي، يؤكدون بان ذلك "الخارج"، لا هم لـه سوى تحريرنا من الاستبداد وضمنا إلى صف النظم الديمقراطية الجديدة بالأمس إسرائيل وحدها واليوم إلى جانبها العراق وتلك كانت اكبر أكاذيبهم.

يبدي المنخرطون في مشروع الحل الخارجي حرصا كبيرا على تغذية اليأس من النضال الداخلي من اجل الإصلاح والتغيير.

هم يدركون ان المشروع الأمريكي، يستند أساسا على إشاعة تكريس ثقافة الهزيمة. ولذلك نراهم يتهمون كل من يسعى لرفض مشروعهم، والتصدي لـه، بمساندة الاستبداد الداخلي والنظم الدكتاتورية. ان اكثر ما يخيفهم هو الدعوة لرفض الغزو قبل وقوعه، والتصدي لـه ومقاومته بعد احتلال الوطن.

بالمقابل ، فان اكثر ما يفرحهم ويشيع الرضى والبهجه في نفوسهم، هي همسات أو صيحات اليأس والاستسلام للغازي، أو الأمل بالخلاص في قدومه.

بعضهم قال: فليخلصنا الغازي وفيما بعد نصرفه، ونقول لـه شكرا أديت المهمة فاخرج من بلادنا: قالها البعض في العراق، ربما عن سذاجة، ثم وجدوا انهم كانوا في متاهة ساخرة!

لم يكن نادرا صدور مثل تلك الدعوات التي تنم عن فقدان الرؤية وعدم القدرة على التمييز بين الأ ضرار والمنافع. إنها بعض الإفرازات السامة، الناجمة عن قساوه الاستبداد الداخلي. وهي في اغلب الأحوال تعبير عن السعي للتنفيس عن الخواطر المكبوتة، أو (فش الخلق) كما يقول التعبير السوري، كلها تظل صورة من صور مأساتنا ومعاناتنا.

في العراق سمعناها وبعد اكثر من عام ونصف مر على م أ س ا ة الغزو وقبل ذلك وبعده، بدا الشارع العراق ي يقول شيئا أخر ويعبر عن مرارات مغايرة ، في حين ظل المغرضون والمنتفعون، يعبرون ع ن القناعات ذاتها. حتى في أمريكا وبريطانيا وبلدان الغرب، شرعت أجهزة أعلامها تعبر عن المرارات الجديدة ، ورا ح ت مدنها تشهد من جديد احتجاجات صاعدة على تلك المرارة.

***

علمانيون ودينيون: صراع ركاب السفينة الواحدة

حينما يتخذ بعض العلمانيين، آو الأحزاب العلمانية، موقف المغازلة مع نظم الاستبداد، أو حين يغازلون الهيمنة الأمريكية، أو يقبلون التطبيع مع الكيان الصهيوني، نراهم يندفعون إلى تحريم، الاعتراف ، والتعامل مع الأحزاب التي تقوم على أساس ديني.

لم يكن ذلك الرفض، بسبب العلمانية. بل كان موقفا سياسيا، دافعه رفض تلك القوى الدينية لهذا التحول الجديد عند بعض القوى أو الشخصيات العلمانية.

فقد رأينا انه في بلدان أخرى يحصل العكس تماما. فالأحزاب الإسلامية، (شيعية أم سنية)، في العراق مثلا، شايعت الحزب العلماني( الشيوعي مثلا)، ليدخلوا معا الحضيرة الأمريكية.

ان الاختلاف بين العلمانيين وقوى التغيير التي تجد حلولها و مرشدها في المنبع الديني، هو ظاهرة طبيعية شهدتها كل ساحات عالمنا العربي. لكن ذلك الخلاف حول مدى وكيفية تحقيق التغيير، يراد لـه ان يتحول إلى فراق لالقاء بعده، إلى خصام يمزق المجتمع العربي والإسلامي، لينتصر فيه من هو خارج ذينك المجتمعين.

وخارج ذينك المجتمعين، وعلى الضد من منهج تحرير الوطن وتغيير المجتمع، فان بعض أدعياء العلمانية يخفون دوافعهم الطبقية والسياسية، و انحيازهم للاستعمار والصهيونية، وللنظم التي فتحت الأبواب لهما، في طروحاتهم الجديدة. من هذه الطروحات، ما يطالب بحذف بعض الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة، التي تأمر المسلمين بالجهاد ضد الغزاة، وتلك التي تدعو للوحدة وتقديم درء المخاطر على جلب المنافع وفي مقدمة المخاطر الآن بالطبع، التصدي للغزو وللاحتلال الأجنبي.

لاشك ان النضال من اجل تحرير المرأة ومساواتها الكاملة في الحقوق الاجتماعية و السياسية، هو في مقدمة مهمات قوى التقدم . و هذا ماينبغي ان يفرد باب خاص لبحثه، هو و المهمات المتعلقة بالاهتمام بدور الشباب.

لكن ما يهمنا الاشارة اليه هنا ، هو موقف بعض القوى التي تدعي العلمانية، و خاصة من " اليسار" ، تقدم المطالب المتعلقة بحقوق المرأة بشكل وبمحتوى استفزازي مفتعل، لاتقبله مجتمعاتنا العربية الاسلامية.

وهي بهذا النهج المقصودفي الغالب ،لاتقدم اية خدمة لنضال المرأة العادل، بل تسئ اليه وتعرقله وتخدم سياسة الاعداء.

انه صراع سياسي وطبقي وأيديولوجي ومعنوي، يتعلق بوجود شعبنا وامتنا ووطننا. ويخدع الناس، بل يخادع نفسه من يصور ه بأنه صراع بين العلمانية والدين، ضد القديم ومن اجل التجديد.

إذا كانت الخيمة الأمريكية قد جمعت العلمانيين وقوى دينية، موافقة على إمرار مشروعهم الواضح الضلال، يترتب حينذاك على قوى التحرر والتغيير في الجانبين ان يوحدوا جبهتهم.

فالجميع يركبون سفينة واحدة يطمح ركابها بلوغ شاطئ السلامة وتلك بالطبع مسؤولية قباطنتها من المفكرين والسياسيين، بخاصة.

***


الغزو الفكري ثم العسكري

 

ما يميز الحروب الحديثة عن سابق ا تها، تعاظم دور حرب الأفكار والحرب النفسية التي تسبقها، وتنوع فنونها لتمهد للغزو العسكري. وحينما توضع الخطط لغزونا فان الآلة ال ض خمة من المفكرين الاستراتيجيين، الخبراء في فنون الدعاية الأمريكية، وأجهزتهم الحديثة، ليست فيها الكفاية كي يصوروا الغزو الاستعماري، بأنه تحرير لشعوبنا.

لذلك راحوا يعتمدون جيشا أخر مهما من أهل البلد ذاته وخاصة من بين مثقفيه وخبرائه.

تشير تجربة غزو العراق في آذار / 2003 ان الغزاة اعتمدوا في البداية، على الشطر المهاجر من المثقفين والخبراء، وكل من عرض نفسه للبيع من العراقيين.

من اجل اختراق جهة مقاومة الغزو، والتهيئة لإشاعة الاستسلام له، جرى أعداد وجبات كبيرة من المثقفين والم تثاقفين والخبراء في الأعلام والاقتصاد والاستخبارات، وحتى في علوم الشريعة الإسلامية في دورات مركزة أعدت لهم في الخارج لاداء الأدوار المرسومة لهم عند الاحتلال وبعده.

لا بد ان نلاحظ ان عملية الاختراق لمثل تلك الشرائح داخل الوطن، كانت اصعب كثيراً لاسباب عديدة من بينها التصاقها بالشعب المطحون وبالوطن المحاصر المهان.

كما ان شطرا من مثقفي وسياس ي ي المهاجر، سبق لهم ان ارتضوا مهانة التعامل مع الأجنبي "ومن يهن يسهل الهوان عليه"!

اغرق الغزاة جموع المتعاونين معهم، الذين جلبوهم مع دباباتهم، بامتيازات أسطورية إذا قيست بمستوى معيشة المثقف أو الخبير في العراق المحاصر. على سبيل المثال: كان الصحفيون وغيرهم الذين مهدوا للاحتلال ورافقوه، يتقاضون شهريا، ما يعادل مرتبات ربع قرن لزملائهم المحليين.

ينتقد دها قن ة الهيمنة الأمريكية، ومريدو احتلالها ظاهرة استخدام (المال السياسي)، لشراء الاتباع والأنصار لأنظمة الاستبداد. وبالطبع فان قوى التغيير والتقدم هي وحدها حاملة لواء النضال الصادق ضد استخدام المال السياسي.

لكن من جند تهم أمريكا، وحلفاؤها على النطاق العالمي، وفي العراق بخاصة، عن طريق (المال السياسي) أسفر عن فضائح وصفات وسرقات أسطورية لضمان شراء الاتباع والأقلام والأفكار والنفوس.

ان تلك الصفقات والسرقات، كانت على حساب تدمير اقتصاد العراق الذي بناه شعبه الكادح ومثقفوه طيلة عشرات السنين وعلى حساب ارتهان اقتصاده لنهب الغزاة والصهاينة لزمن طويل قادم.

ل غ رض تحقيق الانفصام بين المواطن العربي، وبين طموحاته الوطنية والقومية، فان المرتدين الذي ارتبطوا بالاحتلال الأجنبي، يصبون جام غضبهم على تاريخ شعبنا وامتنا النضالي، ويبتذلون نتائجه .

من ذلك ترديدهم فكرة: ماذا جنينا طيلة خمسين عاما من النضال الوطني والقومي، سوى الماسي والانتكاسات والفقر؟ وقد صرح هؤلاء على عجل بان العراق بعد الاحتلال اصبح خارج نادي الحكام العرب، وانه مهتم بشؤون شعبه فقط، ولن يدخل حروب الأخريين! كما راحوا يصرخون بوجه العرب خاصة: اتركوا العراق للعراقيين! هم لا يقصدون بذلك سوى الإعلان بأنهم سيمنعون بلدهم من التصدي للعدوان الصهيوني، تمهيدا للمصالحة معه، ثم لفتح أبواب البلاد لغزوه. وقد فتحوها له فعلا. وما لصرختهم الأخيرة من معنى سوى: اتركوا العراق للأمريكان!

يبشر منظرو اليمين الأمريكي المتصهين لفكرة (تواري الأمم)، أي اضمحلالها. ولا يتعذر على الناس الواعين أدراك ال غ ر ض منها، وهو الدعوة لتحطيم دفاعات الشعوب والأمم، عن است ق لال دولها، وعن طموحها لتعزيز وحدتها الوطنية والقومية وتحت واجهة ( تواري الأمم)، فهم يبشرون لظهور ( أمتهم) الجديدة العالمية تحت هيمنتهم .

ويتنكر المرتدون الجدد، لمقولة الصراع الطبقي ودوره في التطور الاجتماعي. ويدعون بان فكرة الصراع الطبقي داخليا وعالميا هي من مخلفات عصر الأيديولوجيات الذي ولي زمانه وراحوا يقدمون أو يبتكرون صراعات أخرى كصراع الحضارات والأمم والأديان والأقاليم الجغرافية.

يهمهم ليس التصالح مع المستغل الداخلي فهذا التصالح جائز احيانا في عرف قوى التقدم، ولكن قبل كل شيء التصالح مع المستغل العالمي، وراء تبريرات عديدة، منها: ان الرأسمالية العالمية، ونموذجها الأمريكي ليست شرا كلها !

حين يقدمون فكرة "ان الاستبداد هو الرافعة الموضوعية للاحتلال الأجنبي"، يكون في مقدمة ما يرمون إليه، رفع المسؤولية عن الاحتلال وصولا إلى اعتباره عام ل الخلاص من الاستبداد والأمل بحلول عصر الديمقراطية. ويعودون فيقولون: هذا هو العراق نموذجاً!

يعتبرون السيادة الوطنية والحرية والتقدم هو الغن ى وان الديمقراطية تصلح فقط للشعب الغني وغير ممكنة للش ع ب الفقير.

وبما انه يوجد مهيمن عالمي لا يستطيع ان يستغني عن مواردنا فلنتقاسمها معه، ولنحصل على الغن ى عن طريق مطالبته بحصة منصفة كما يفعل الآخرون. وليس عن طريق النضال. فذالكم الذي تدعون إليه قد فات أوانه ونتيجته ان نخسر كل شيء!

ان المثقفين المرتدين الذي ملاؤا بالأمس المكتبات ومنابر الندوات بالفكر التقدمي، بفكر الرفض والمقاومة للغزو الخارجي وللاستبداد الداخلي، وحتى بالمز ا و دات اليسارية ل بعضهم ، راحوا هم والأحزاب المرتدة التي كانت وطنية بالأمس يبدعون اليوم بنشر فكر الهزيمة والاستسلام، وبيع الأوطان.

لكن كل تلك الامتيازات والحضوة عند المحتل التي أشرنا إليها ، لم تمنع عن هؤلاء العزلة ، لم تمنحهم الآمان، لم تحمهم من كره الشعب وسخطه عليهم، بل هما كانتا سببا له.

***

الديمقراطية السياسية والجبهة الوطنية

 

في العقد السابع من القرن الماضي، انتعشت فكرة الجبهة الوطنية الموحدة ليس على الصعيد الشعبي فقط، بل كذلك على صعيد كثرة من الأنظمة الحاكمة في الوطن العربي. كان ذلك أحد ثمرات النضال الشعبي الطويل. وكذلك اتساع الشعور بالحاجة لتجميع قوى الشعب والامة في النضال.

لكن الأنظمة العربية الحاكمة التي تبنت برامج وطنية وقومية ، وحتى اشتراكية أحيانا، واستبدت في حكمها أحزاب، أو قيادات سياسية أو عسكرية لم تستطع الارتقاء حقا إلى الإيمان بالديمقراطية السياسية وهان عليها ان تهب نفسها الحق في "الشرعية الثورية"، التي استخدمت بذريعة صد الأخطار لمنع التطور الديمقراطي وإقامة مؤسساته وأخيرا لتكريس الاستبداد السياسي.

وقد اضطرت تلك الأنظمة تحت تأثير الضغط الشعبي حتى في قاعدتها السياسية والاجتماعية إلى الإعلان عن التعددية السياسية، وعن قيام الج ب هات الوطنية الموحدة ومشاركتها في الحكم أحيانا.

رغم الجانب الإيجابي في كل ذلك وكثير من الثمار التي نتجت عنه إلا إنها كانت في الواقع نماذج لممارسات ومحاولات متعثرة وضعيفة ولم تستطع الصمود أما م نزعات الاستبداد في الحكم.

ربما كان العراق نم و ذجا ً صارخا فقط، لكنه ليس الوحيد في ذلك. ولا بد من التنويه ايضا ان القوى السياسية التي اتخذت مواقف انعزالية، أو متصلبة في شروطها للدخول في الجبهات مع الأحزاب الحاكمة قد استغل تصلبها ذ ا ك لتحويل الجبهات الوطنية إلى أدوات للعزل السياسي، وحتى لتبرير اضطهاد المعارضين.

في الجانب الأخر، فان الاستبداد السياسي قد تفاعل مع ضعف الوعي و التكوين السياسي في المجتمع عموما وفي غالبية أحزاب المعارضة، وتفاعل مع نزعات التحزب الضيق والانجرار إلى الخلافات الجانبية والقبول بالتمزق لينجم عن كل ذلك ، انتعاش التطرف السياسي وتضاؤل نزعات المعقولية السياسية.

لم تقرب تيارات التطرف السياسي ، قوى التغيير والتحرير والوحدة، من أهدافها بل أدت إلى أبعادها عنها. فقد كان التصلب السياسي في النتيجة ، الوجه الآخر لليمين الذيلي ولنزعات الاستسلام وصار مرتعا لتمرير فكر ال تخاذل أمام الاستبداد بالأمس ثم أمام الغزو الاستعماري اليوم.

في العراق كان بعض قادة المعارضة الذين دخلوا بالأمس بتحالفات مع الحزب الحاكم، والذين بالغوا بتعليق الآمال على الجبهة الوطنية معه، راحوا يبالغون الآن بابتذال تلك الجبهة وطمس كل جانب إيجابي فيها.

ومع تنكرهم لفكرة الجبهة الوطنية أساسا فهم أقاموا فعلا جبهة عريضة قبل احتلال العراق و بعده وما هو جدي د فيها أنها غير وطنية هذه المرة.

لا بد ان نلاحظ ان اكثر ما يحرص عليه الغزاة هو تهشيم الوحدة الوطنية عن طريق استثمار التنوع في تركيبة البلد الذي يحتلونه، قومياً ، ودينياً ومذهبياً، لغرض تحويل ذلك التنوع الطبيعي ، إلى محفز لخصومات تخد م هم لتحطيم مقاومة الشعب ثم ارضاخه.

في كل ذلك، يلعب أبناء البلد، المتعاونين مع المحتل، دورهم كخبراء و إدلاء ودعاة وفنانين في افتعال وتأجيج تلك الخصومات.

رغم كل تلك المؤثرات والنتائج السلبية ، تبقى فكرة الجبهة الشاملة من اجل تحرير الوطن، ومن اجل تحقيق التغيير والوحدة، مطلوبة اليوم، اكثر مما كانت عليه بالأمس. فالجبهة الوطنية الموحدة، المطلوبة اليوم بشكل ملح ، لمواجهة الاحتلال ولتحقيق التحرير وتقدم المجتمع، بإمكانها ان توفر ضمانه مهمة للمستقبل في كل بلد عربي، وليس في العراق وحده.

تتجسد تلك الضمانة، ليس في أداء المهمات الراهنة، وهي كبيرة، بل كذلك في تكوين "الكتلة التاريخية" المطلوبة للبناء المقبل والمؤسسة على لقاء وتعاون جميع تيارات التحرير والتغيير أي القومية والإسلامية واليسارية وغيرها.

يمكن وصف هذه "الكتلة التاريخية": مجازا بأنها حزب كل الأحزاب الوطنية والقومية، وعقيدة كل العقائد الساعية للتغيير والتقدم.

ان حرية صندوق الانتخاب ، ينبغي ان تتلاقى مع ضرورة وجود وبقاء تلك "الكتلة التاريخية".

فهذه الآلية الجديدة، لأسلوب التنظيم والتعبئة الشعبية ، في النطاقين الوطني والقومي، وجدت في واقع الحياة السياسية والفكرية ، قبل ان ينظر لها منظر. والمرجح ان المستقبل سيدعم ويطور وجودها.

ما يعزز ضمانات وجودها واستمرارها، إنها ملزمة بان تأخذ كل ما في أحزاب وعقائد التيارات الممثلة فيها، من منجزات وجوانب إيجابية، وفي ذات الوقت تتحاشى نقاط ضعفها، وخاصة العصبية في التحزب والجمود في العقيدة.

 

***

ديمقراطية بدون الاستقلال الوطني؟

 

ان أحد أركان سياسة اليمين الأمريكي هي تفتيت وحدة الشعوب والبلدان، التي تعارض هيمن ته العالمية. فالتفتيت يجب ان يشمل كل مقومات الشعب، والبلد، والامة، القومية والدينية والمذهبية، والجغرافية. هذه السياسة باتت معروفة في العراق قبل الاحتلال الأمريكي لـه، وصارت اكثر وضوحا بعده، وخاصة في افتعال النزاع أو الخصومات بين مكوناته تلك.

وينصب حديثنا الآن ، على الاتجاهات الهادفة للتبشير بفكرة ان الديمقراطية السياسية ممكنة مع ضياع الاستقلال الوطني، والإشارة لدور الأحزاب والمنظمات السياسية والصحافة وأجهزة التوعية والتعليم ومؤسسات المجتمع المدني في ذلك.

في ظل الاحتلال وتحت شعار الديمقراطية والتعددية، أطلق العنان ، بعد كبت طويل ، للمئات من المنظمات والصحف المختلفة السياسة وغير السياسية، ولكن مع أحكام القبضة الحديدية، باتجاه تحويل الأحزاب والصحافة ومؤسسات المجتمع المدني، من قوى رائدة ترشد النضال لتحرير الوطن، وتغيير المجتمع ، إلى هياكل مبتذله ارتزاقية، تقبل بدور تسفيه الحياة الحزبية ، بهدف تجريد الشعب من سلا حي الوعي والتنظيم.

تمثلت اكبر عملية تزييف وابتذال للديمقراطية، بعد احتلال العراق، حين أطلق العنان وأغدقت المعونات والحظوة لمئات من تلك المؤسسات التي تمجد الاحتلال أو تبرره أو تهون على الأقل من مآ سيه، تحت ذريعة إسداء النصح لـه. وفي ذات الوقت ظلت تستعر حمى المضايقات والحصار والملاحقات والسجن والاغتيالات ضد شخصيات ومؤسسات النضال ضد الاحتلال .

يراد للعالم ان يعترف بهذه الديمقراطية الجديدة في ظل الاحتلال، في بلد يزرع بالقواعد العسكرية وبطائرات الاباشي، تحوم فوق سطوح منازل سكانه وترابط دباباته في كل حي،وأمام كل جامعة ومسجد.

تأسيسا على كل ذلك ، فقد صار ما هو جوهري في امتحان كل حزب وصحيفة ومؤسسة تدعي الوطنية والقومية، هو موقفها من الاحتلال، ومن المقاومة الوطنية للاحتلال تحديداً.

لا بد من الانتباه إلى ان الإقرار بالتعددية السياسية، وبحرية الصحافة التي هي مطلب شعبي دائم، يراد بها ، في هذه الحالة الملموسة التي نتحدث عنها، إضفاء صفة خادعة لتزيين صورة الاحتلال، ولإخفاء م آ سي ه ومجازره البشعة، ولإقناع الناس، والرأي العام الخارجي، بان الديمقراطية السياسة صارت ممكنة حتى مع ضياع أو ما يسمونه (تأجيل)، الاستقلال الوطني.

***

في عهد الاستعمار القديم، في القرنين الماضيين ، وكذلك عودته اليوم للوطن العربي فقد رافق فقدان الاستقلال الوطني، فقدان النظام السياسي الديمقراطي ايضا. وكان الاستقلال الشكلي تقابل ه الديمقراطية الشكلية. فأحداث تلك الحقبة، أشارت ايضا إلى ان اشد الدول الاستعمارية عتوا وغطرسة، أي أمريكا، كانت في ذات الوقت أكثرها رعاية، واحتضانا لابشع الدكتاتوريات التي عرفناها بالأمس واليوم.

في كل التحليلات حول دوافع الاستعمار، بأشكاله القديمة والجديدة ينبغي ان لا يغيب عن المحللين الواعين، ان الدافع الأساسي لها هو الاستقلال الاقتصادي ، هو نهب ثروات البلدان التي تستعمر.

وما عملية زرع الكيان الصهيوني، في قلب بلاد العرب والمسلمين ، تحت اكذوبه (العودة لارض الم يعاد )، سوى التصميم على زرع ركيزة داخلية للاستعمار في تلك البلاد، تيسر نهبه الاقتصادي اولاً.

***

تحديد الأولويات في ظروف الردة

حينما تتزايد الصعوبات أمام قوى التغيير، وتتعقد الظروف بوجه شخصياتها ونخبها الطليعية، بسبب حدة الهجوم المعادي، وبسبب سعة الارتداء عن مواقع النضال، وحينما يغريك الخصم الطبقي الخارجي أساساً، أو المحلي، بالدرجة الثانية، فان الحاجات الفكرية والسياسية للنضال ، يلزم ان تتغير ايضا.

وحينما يرتد شطر من قوى التغيير والتحرر، فان من اكبر إضرارهم، انهم لا يكتفون بردتهم الشخصية، بل يسعون لجر أحزابهم ، ومؤسساتهم النضالية لمواقع ردتهم، يريدون تغييرها بدلاً من تغيير المجتمع.

ولكن عندما نرى في بعض التيارات الكبرى ، تراجعات عن الأهداف الكبرى، يوجد فيها ايضا من الجانب الأخر، الإصرار على المقاومة ومواصلة الكفاح. في ظروفنا المعقدة الراهنة، وأمام تنوع أهداف التحرر والتغيير، يكون لتحديد الأولويات أهمية كبيرة، بل حاسمة ، في تجميع قوى النضال بدلا من تبديدها، وفي تقريب الانتصار بدلا من أبعاده، وفي تقليل المعاناة والتضحيات بدلا من زيادتها وإطالتها.

في عصر الهيمنة العالمية وانفتاح الشهية نحو تصعيد الغطرسة، وتوسيع الغزو العسكري واحتلال الدول الرافضة لها، فان توجيه الفعل الشعبي وتركيز فعالية الأمة العربية كلها ضد الغزو، يكتسب الأهمية الأولى بين مهمات النضال.

يوجد بالطبع، بين قوى النضال من أجل التغيير من يقدم مهمات الكفاح ضد الاستبداد الداخلي، ومن اجل الديمقراطية السياسية، ليضعه في المرتبة الأولى. لكن ما يساعدنا على التمييز بين المهمات، ووضوح الرؤية ، هو ضرورة الوقوف عند السؤال: لماذا تركز أمريكا واتباعها ، على إعطاء الأولوية لنضالنا نحن على ذلك الهدف بالذات؟

ان ما حدث على ارض الواقع، في البلدان التي احتلتها أمريكا، باسم تحريرها من الدكتاتورية، وباسم وضعها في صف الدول الديمقراطية، وآخرها العراق، يوفر لنا براهين إضافية على أولوية النضال الوطني والقومي ضد الغزو الأجنبي.

فاحتلال العراق، كان ابتذالاً لم يعرفه تاريخ هذا البلد للديمقراطية وأصولها وقوانينها ولشرعة حقوق الإنسان. ان تحديد أولوية النضال ضد الامبريالية وغزوها ، يمنح قواه الوطنية والقومية، القدرة على تجميع القوى وتوسيع جبهة ذلك النضال.

وهو لا يمكن ان يعني باية صورة من الصورة ، تخفيف أو إرجاء الطموح للخلاص من الاستبداد الداخلي، بل سيوفر فرصا اكثر وافضل لمستقبل التطور الديمقراطي في بلداننا. مع أهمية تشخيص أولوية المقاومة ضد الغزو، وضد عودة الاستعمار المباشر، فان فكرة "ثنائية المقاومة والديمقراطية"، التي يدعو إليها بعض المفكرين العرب، يمكن تفسيرها بأنها تعني مطالبة ال قوى المقاومة للغزو، ان تضع برنامجاً مقبولاً وواضحاً، يربط بين إنجاز التحرر الوطني من الاستعمار، بالتحرر السياسي من الاستبداد وبالتحرر الاجتماعي من الفقر والتخلف. وحينذاك ستكون هذه "الثنائية" مفهومة.

***

عن المبادرة وفهم تناقضات الخصوم

 

حينما يشتد النضال الشعبي ضد الاحتلال والقهر والإفقار، حينما تنخرط قوى شعبية اكثر في هذا الصراع العادل، تزداد التشققات في صفوف الخصوم، وتتعمق التناقضات بينهم. ان وحدة اللصوص مؤقتة. وكما يقول المثل : "إذا تخاصم اللصان ظهر المسروق".والمسروق هو الشعب العربي كافة.

ولو أردنا فهم التناقضات في مواقف الخصم، ثم استثمارها لصالح قوى التحرير والتقدم، يلزم ان لا ينصرف الذهن إلى شخصيات المتخاصمين أو إلى مصالحهم الشخصية، رغم ما لذلك من أهمية كبيرة بالطبع، و ل كن ينبغي تركيز الاهتمام الأكبر على فهم إستراتيجيات الخصم وخطط ه ، وما يحصل فيها من تغير بين آونة وأخرى.

إلى جانب أهمية استعادة الناس المضللين بشعارات أولئك المتخاصمين، فالمؤمل في ذات الوقت ، ان تستثمر قيادات النضال الوطني، بحنكة، تلك التناقضات وتعميقها بما يخدم أهدافها.

يهتم خصوم الحركة بالاحتفاظ الدائم ب زمام المبادرة في الهجوم، وبمشاغلتها وزيادة صعوباتها والتشويش عليها، وإجبارها على اللجو ء لحالة الدفاع الدائم. ان الدفاع ضروري للحركة خاصة " في بدايات الهجوم المضاد، أو عند بدايات التأهب للرد المباشر. لكن الدفاع الدائم، يعني الموت، فالمهم جدا لقيادات الحركة ان تحرص على إبقاء زمام المبادرة بأيديها، على الهجوم، بمعناه السياسي والفكري، وليس الحركي فقط. وعليها ان تزيد من صعوبات الخصوم وتوسع الجبهة أمامهم ، وتشاغلهم ، وتعمق تناقضاتهم. وما اكثر ما رأينا بالأمس ، ان قوى التغيير والتقدم تتبرع بتجميع خصومها وتوحدهم، بدلا من تشتيتهم.

مطلوب ايضا الخطاب السياسي الواضح، الذي يفهمه الناس بسهولة والذي ينسجم مع القدرة على الممارسة السياسية. هذا يعني تحديداً ان تدرك قيادات قوى التغيير، ان الوطنية والقومية، تعني ايضا فهم معاناة الناس، وما يحركهم للفعل المباشر، وخاصة ما يتعلق بحياتهم المعيشية ومتطلبات امن هم و استقرارهم بالدرجة الأولى.

والخطاب السياسي المباشر، الذي يحرك الجمهور للنضال ، سيساعد على بلورة استراتيجيات النضال والهدف النهائي. وهذا ما تحرص ق يا د ات النضال على بلورته وصياغته.

***

أمام الغزو: نقاوم أم نساوم؟

 

قيل الكثير من الاتهامات ، ونشر الكثير من التشويش عن مقاومة الشعب العراق ي ل غزو بل ا ده واستعمارها.

لكن الحقيقة ، التي صارت تتضح الآن، بعد اكثر من عام ونصف على الاحتلال، ان مقاومته لم تكن إرادة يقررها جيش أو حزب أو مفكر أو مرجعية دينية. إنها حق لشعب في ان يتمتع لوحد ه بو طنه و بخيرات هذا الوطن. ومن ينصح العراقيين، بالتعقل والتريث، وباللجوء إلى الحل السلمي ، لمواجهة هذا الغزو، يجدر به ان يوجه "نصائحه" تلك للغازي وحده، ولمن يعاون الغازي.

تدعو صحف الأحزاب الموالية للاحتلال الآن ، إلى الجنوح للسلم وتسليم أسلحة المقاومين والدخول في "العملية السلمية"!. هم يخفون ما يقصدونه من هذه الدعوة المغمورة بالطيبة والعقلانية ظاهريا ، لكنها في جوهرها لا تعدو المطالبة بالانتهاء من مقاومة الاحتلال وحل ا ية تشكيلات مناهضة لـه، العنف ي ة اولا ثم السلمية، والاستسلام لارادته والدخول تحت خيمته لتجنب إذاه أو لنيل عطاياه كما فعلوا هم تماماً. بعيدا عن التنظيرات، وبعيدا عن الإفادة في التجربة الثرية لقوى التحرير ومنها تجربة الشعب العراقي التاريخية، فان مدة اكثر من عام ونصف على رؤية وتلمس مآ سي الاحتلال الأجنبي، وحتى في مناطق واسعة نادت بالمواجهة السلمية للاحتلال، فقد كانت كافية للحكم على آية أساليب هي المجدية، وهي المطلوبة لتحقيق التحرير.

وبسبب ذلك، تتسع القناعات الشعبية بأنه دون مقاومة الاحتلال، بكل الوسائل الضرورية، فلا آمل للعراق بالتحرير. ولذلك لا بد ان ترفض وتدان المساعي لإنكار هذا الحق العادل الذي أباحته شرائع الأرض والسماء واخرها شرائع الأمم المتحدة.

ها هو العراق يتحول إلى مستنقع دم للمحتلين، يغوصون فيه دون مخرج. وهو يقدم لبلدانهم المزيد من الضحايا ومن خيبات الأمل، بدلا من النفط والثراء. وبدون ذلك، فلا أمل للعراق بدولة مستقلة، تحترم نفسها ، ويعيش شعبها آ مناً.

يقول المتخاذلون والمتشائمون، ان الاحتلال جاء ليبقى. هم سمعوا وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد يصرح يوم و صوله بغداد في 13/5/2004م قائلاً: "إذا كان هناك من يعتقد باني جئت إلى العراق لسكب الماء على النار فهو مخطئ..". وفي ذات اليوم امتدت نيرانه لتحرق بيوت وشوارع النجف والكوفة والفلوجة وكربلا وكل العراق.

لكن الشطر المهم والفعال من العراقيين ، أجاب بان الغزاة جاءوا لحتفهم، وقد خدعهم من قال لهم إننا وجهنا لكم الدعوة للقدوم!

وحتى يتضح ذلك المصير الأكثر كارثية للغزاة، أمام أنظار شعبي أمريكا وبريطانيا، وأمام المحتلين ومن يعاونوهم من (أهل البلاد)، الذين يشاركونهم الغوص في المستنقع ذاته، ستنض ج حينذاك أفكار وسياسات المعقولية، وتتوفر الإمكانات للبحث في سبل أخرى ، توقف مأساة الطرفين وتجعل التفاوض والحوار بين العراقيين ومحتلي بلادهم ممكناً.

وحينما يتجمع الرأي العراقي، ويتسع الاتفاق الشعبي على شرعية وتأ ي يد المقاومة والتهيؤ للجهاد العام ، فان إمكانات اكبر لتحقيق الحل السلمي، بإشراف الهيئات الدولية، ستظهر للوجود، وسيزداد مناصروها في كل مكان.

توجد حقائق أخرى، أوسع من الإطار العراق ي لهذا الصراع . فأمريكا وحلفاؤها يخوضو ن ثلاثة حروب استنزافية ، ليست لها نهاية قريبة. إنها حروبهم في العراق وفلسطين وأفغانستان. وهذه الحروب تهدد بالانتشار.

وعلى الأرجح ، فانه ارتباطا بما سوف تتمخض عنه الحلول للوضع في العراق، سيمكن الاستنتاج ماذا إذا كان بالإمكان إطفاء هذا الحريق الواسع، أم اشتعال حرائق أخرى في المنطقة ، لا يمكن حصر مداها.

***

عن المقاومة العربية

 

ت تردد كثيراً مقولة ( الواقع العربي السيئ ) . إلا ان هذا الوصف السلبي لا ينبغي ان يحجب عنا رؤية وجه أخر لذلك الواقع العربي.فالعالم العربي، على ض خامة المطامع والتحديات الخارجية، التي تثقل كاهله بالعدوان والاحتلال والنهب، يواجه تحديات داخلية خطيرة ايضا. تتمثل تلك التحديات ، بأنظمة الاستبداد، وخاصة منها التي تعاون العدو الخارجي في تنفيذ خططه. وكذلك قوى الردة والتخاذل في الوسط الشعبي.

ولكن ، رغم تلك التحديات التي تضعف صمود الشعب العربي وتسعى لاعاقة مقاومته، فهو مضطر لان يقاوم وإحياناً بضراوة. فلا خيار لـه غير ذلك. ان مقاومة الشعب في لبنان وفلسطين والعراق أعطت نموذجا فريداً، في رفض التخاذل وفي التشبث بأمل النهوض والتقدم.

وعلينا ايضا ان نحذر من مخاطر أخرى. فالتعجل والحث المفرط لتحقيق الأهداف الطيبة، قد يرضى العاطفة والرغبة، ولكنه حين يتخطى الواقع المعقد الراهن، في كل قطر عربي على انفراد، وفي المحيط القومي العربي عموماً، وحين يقلص جبهاتنا النضالية، ويوسع جبهة الخصوم، فانه يؤدي بالتأكيد إلى تغذية دواعي اليأس أو الضعف التي نعاني منها.

ان حساسية وتعقيدات الوضع الراهن، و علاقاته بمآسي الماضي، يتطلب الخطاب السياسي، الوطني والقومي، المتسم بالوضوح في الهدف وبالمرونة العالية في الأسلوب، ويتطلب الحذر من الانشداد إلى التخشب في الشعارات.

وصف شاعر الحكمة العربية زهير بن ابي سلمي، هذه المرونة المطلوبة بالمصانعة حين قال: ومن لا يصانع في أمور كثيرة يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم

 

وإذا كانت قوى النضال من اجل التغيير والتحرير، لا تصانع (بمعنى تناور)، فهناك ما هو اليوم أقسى من التضريس بالأنياب والوط ء تحت خفاف البعير.

من الجانب الأخر، فان جوهر النضال من اجل التحرير والتغيير، يضيع، بل يذهب هباءً، حين تقع قواه ، أو أجهزة أعلامه، أو خطابها السياسي تحت تأثير من فقدوا البصيرة، فوصلت بهم المصانعة حد الذوبان في مشروع الخصم، كما فعل المرتدون الجدد.

في العراق، تستعيد الحركة الوطنية الآن، حيويتها، وينمو دورها في قيادة المجتمع، وتسعى لتوحيد صفوفها، بعد تاريخ طويل من الاستبداد الداخلي، وبعد تجمع شر الخصوم العالميين ، لتدمير العراق وإرضاخ شعب ه .

ورغم تلك المعاناة القاسية، فقد قدمت تلك الحركة، نموذجاً رائداً في الحكمة السياسية، وفي الفداء والثبات على المبادئ الوطنية والقومية وفي رفض اللقاء مع غزاة الوطن، بل تحمل مسئولية قيادة الشعب من اجل التحرر والتقدم والوحدة.

هذه الحركة الواعدة، التي هي أمل الشعب، وأمل النضال العربي، والتي يسعى خصومها لتطويقها والتعتيم عليها، هي اليوم بحاجة ماسة لكل دعم ممكن.

ان تحديد أولويات النضال، بالتصدي لمشروع الغزو القائم، وت ح ش يد كل قوى العالم العربي ، شعوبا ومنظمات ومؤسسات وشخصيات لمواجهته والضغط لفك قيود الاستبداد التي تكبل فعاليته، كل ذلك هو ما يلخص جوهر مهمات نضالنا الراهن.

وكي نضمن صد الخطر الداهم ونمنع امتداد غزو ه ، يلزم تركيز الجهد الأكبر لدعم مقاومة شعبي فلسطين والعراق للاحتلال.

فالمقا و م الفلسطيني والعراقي، يقدمان بتضحياتهما، نموذجاً من الفداء، ليس من اجل وطنيهما فقط، بل لصالح كل حركة التحرر الوطني العربية، وللقوى العالمية المناهضة للحرب والإمبريالية.

باقر ابراهيم © http://www.ibaqir.net

 

باقر ابراهيم © http://www.ibaqir.net