|
|
||||||||
| تحية للفلوجة ولمدن العراق البطلة
أابتكر شعب الاتحاد السوفيتي، عند الحرب الوطنية التي اضطر لخوضها بين أعوام 1941–1945، طريقة يقّدر فيها صمود وبسالة مدنه التي قاومت الغزو النازي، و ذلك بمنحها لقب (المدينة البطلة).
من أبرز نماذج ذلك التقدير، كان منح مدينة لينينغراد وسام البطولة، بعدما صمدت للحصار الألماني (900) يوماً، سجل فيها التاريخ لسكان هذه المدينة، صوراً فريدة من الصبر و التحمل و التضحية و الشجاعة، مما وّفر لها الانتصار على ذلك الحصار القاسي.
و مثل لينينغراد، نالت وسام البطولة مدينة ستالينغراد، و مدن أخرى كثيرة.
تختلف اليوم، معايير صمود المدن، أمام الغزاة، بسبب التطورات الهائلة في تكنولوجيا الحروب و الأسلحة، و في طرائق البشر في خوضها، و لهذا السبب تتنوع أشكاله.
فصمود بغداد و البصرة و الموصل، أثناء بدء الحرب العدوانية، في العشرين من آذار 2003، أمام قساوة التدمير الهمجي عليها من الجو, كان مقدمات لانتعاش مقاومة الفلوجة و النجف و الرمادي و سامراء، و الكوفة و بعقوبة و المحمودية و مدينة الصدر و غيرها، في حرب العدوان على العراق و هي كلها كانت تعبيراً عن تلك الإشكال الجديدة في الصبر و الصمود.
كما يتبارى فرسان الحروب و الإبادة البشرية، بوش و بلير مع شارون في دمار العراق و فلسطين، فأن مدن العراق تتبارى مع جنين و رفح و نابلس و غزة و عشرات البلدات الفلسطينية في الصمود بوجه الهجمة الجديدة.
خطط غزاة الوطن لإنهاك مدنه الرافضة لغزوهم، و يسمونها (المدن المتمردة)، و ضربها الواحدة بعد الأخرى. استخدموا في ذلك، حرب إبادة لا تعرف أية قيم إنسانية، و ما حدث للنجف و الفلوجة و سامراء و مدينة الصدر، ليس سوى شواهد فقط.
يوم 16/9/04، كتبت جريدة (يو أس أي تودي)، USA today تقول: (أن أكثر من 30 مدينة عراقية تمتلأ الآن بالمسلحين الذين يكرهون الولايات المتحدة و المستعدين للموت...).
أن رقم (30) مدينة يّعبر عن النموذج فقط للرفض الشعبي الشامل للاحتلال. فان أغلبية مدن العراق تكرههم و تريد خروجهم. و هي اضطرت، لا حباً بالإرهاب كما يزعمون، بل لتقديم تضحيات عزيزة و غالية على الشعب، من أجل أخراج المحتل.
وفاء لهذا الصبر و الصمود سيأتي اليوم الذي تنال فيه مدن عراقية كثيرة، قد لا تعد، أوسمة البطولة في الصمود و في مقاومة الغزاة.
في الثلاثين من حزيران (يونيو) الماضي، التقت (66) شخصية عربية في بيروت، من قادة المؤتمر الإسلامي و المؤتمر القومي العربي، و مؤتمر الأحزاب العربية، و ممثلي الرأي العام في أغلبية تلك الدول، و أعلنوا عن تأسيس (الهيئة الشعبية العربية لنصرة العراق).
كان بين ما جاء في بيانهم الأول، الصادر في ذلك التاريخ، و المكرس لدعم نضال العراق من أجل التحرير.
الفقرة التالية: (ندعو المجالس البلدية و المحلية العربية، و منظمات المجتمع المدني إلى أطلاق أسماء مدن و بلدات عراقية و فلسطينية مقاومة، على شوارع و ساحات و قاعات و أنشطة تخليداً لعظمة المقاومة و رفضاً للمحاولات الأمريكية الرامية إلى وصفها بالإرهاب).
أمام صمود الشعب، و صبر المدن البطلة، تزداد اليوم إعلانات الإفلاس السياسي لإتباع الاحتلال، و تهبط أرصدتهم، ليس بين بسطاء الناس فقط، بل حتى لدى سادتهم الكبار أيضاً. لذلك فقد راحوا يفتشون عن خنادق قومية أو طائفية أو حزبية، عسى يداري التخندق فيها عزلتهم.
من نماذج تلك الخنادق ابتداع ما سّموه (البيت الشيعي). و من حق الناس أن يتساءلوا لماذا هذا (البيت الشيعي)؟ و هل من المطلوب أن يتوزع العراقيون على بيوت شيعية و سنية و غيرها، ليسهل تهديم بيت الشعب كله؟
و من حقهم أن يتساءلوا أيضا لماذا ظهرت الدعوة لإقامة فدرالية لمحافظات البصرة و الناصرية و العمارة؟ و ما الذي يميّز سكان تلك المحافظات عن بقية محافظات وسط و جنوب العراق؟
و إذا كنتم تريدونها فدرالية شيعية، كما خطط لذلك بعض أغبياء صهيون و أمريكا، فهل توثقتم من قبول الشعب ابتداءً، لفدراليات أخرى على أساس قومي و جغرافي؟
حين يكون الأمر مستغرباً بالنسبة للداعين لتلك الفدرالية، فهل يقف الأمر عند حد الاستغراب حينما يسمع بعض القادة الأكراد يصرحون بان عملية انفصال الجنوب (أو الحكم الذاتي فيه) الآن، هو حق من حقوقهم، و إنهم مستعدون لتقديم المساعدة له؟
أن غزاة العراق و أعوانهم يجّترون بلجاجة تخويف الناس و العالم من حرب أهلية بين المكونات العراقية المتآخية.
لكن ذلك التخويف المفتعل لا يراد منه سوى التغطية على حرب وطنية موجودة فعلاً في العراق، تدور بين كل مكوناته القومية و الدينية و المذهبية و العشائرية و الإقليمية من جهة، وبين غاصبي حريته و غاصبي قوت شعبه، من الجهة الأخرى.
في رسالة وجهها الأخ د. وميض نظمي، في نيسان (أبريل) الماضي إلى الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي قال فيها: (عّز علّي كثيراً أن أتخلف عن مؤتمركم الرابع عشر، بسبب العدوان الأمريكي على بلدنا الصابر و أمتنا الخالدة.
أننا نصون الوحدة الوطنية بأحداق العيون. فلا تصدقوا أكاذيبهم. لا حرب أهلية بين السنة و الشيعة و لا بين العرب و الأكراد و التركمان و لا بين المسلمين و المسحيين. بل هي وحدة وطنية نعمل ليل نهار على ترصينها، من أجل دعم الانتفاضة و انتصار العراق المحتل بلا قيد أو شرط، و من أجل مصالحة وطنية شاملة و تحول ديمقراطي حقيقي).
أن احد الأهداف المهمة للمشروع الأمريكي في احتلال العراق و الهيمنة عليه، هو إسباغ صفة الشرعية الدولية و الإقليمية و المحلية عليه. و من ذلك إصرار المخططين له، على تمرير صفقة ما يسمى ب(الانتخابات للمجلس الوطني)، في بداية العام القادم.
نحن نثق بأن القوى المناهضة للاحتلال و المناضلة من أجل تحرير الوطن، ستتخذ الموقف الصحيح و المناسب من تلك الانتخابات و من كل الأمور المستجدة التي تهم الشأن الوطني.
و هذا ما نتوقعه من جميع الأطراف المعنية و منها (المجلس التأسيسي الوطني)، الذي أعلن أمينه العام الشيخ جواد الخالصي، عن نية عقد دورته القادمة في الثامن من تشرين الثاني (نوفمبر).
و لا بد من التوقف عند ذلك التسرع المفرط في الدعوة للمشاركة في الانتخابات من جانب من اعتبروا أنفسهم (( مرجعية للشيعة )) و دعوا إلى قائمة شيعية موحدة !
من الغريب أن يعلن عن هذه التوجهات، مع التجاهل التام لحقيقة أن الانتخابات تجري ليس في ظل احتلال أجنبي فقط، بل و في ظروف القمع الشامل و تدمير المدن، و بالاقتران مع التجاهل التام للاشتراطات السابقة عن ضرورة توفير الأجواء الآمنة للانتخابات و عن النزاهة فيها و وجود الضمانات الدولية.
و ما هو أكثر غرابة، أن يذهب بعض هؤلاء الذين نعنيهم حد توزيع صكوك الغفران على من يشارك فيها و مصير (دخول جهنم)، لمن يعترض عليها !
تحمل أحداث الأشهر الأخيرة، الدلائل التي تشير إلى أن الشارع العراقي يعي أكثر فأكثر، ما يراد للوطن من تمزق و تشرذم، و ما يراد لمدنه البطلة و سكانها من دمار شامل و قتل جماعي.
بوجه هذه الكوارث يزداد تلاحم العراقيين المدافعين عن حرية الوطن، و من الجهة الأخرى يزداد تفكك صفوف مغتصبي تلك الحرية و تبرز للعيان خصوماتهم.
في هذا الصراع التاريخي، يبقى لكل القيادات الوطنية رؤيتها و أساليبها و خططها المتنوعة، التي تلتقي في النهاية، عند خدمة الهدف الوطني الموحد، هدف تحرير الوطن.
يوم 24/تشرين الأول (أكتوبر)/2004 وجه السيد مقتدى الصدر بياناً إلى أهالي الفلوجه قال فيه: (( كنت أتمنى أن أخط البيان بدمي... لكن الجود بالموجود... أني مستعد لمد يد العون لكم أيها المجاهدون في الفلوجة العزيزة )) .
في كفاح شعبنا المرير الراهن، من أجل الحرية و الحياة الكريمة، يبقى معنى كبيراً للفداء و التضحية. فمثال الفداء في الفلوجة، هو نفسه مثال النجف الأشرف و سامراء و الكوفة و بعقوبة و القائم و مدينة الصدر و كل مدن العراق الصامدة.
في هذه المدن الصابرة الباسلة، و في سكانها، قال شاعر الوطنية العراقية معروف الرصافي:
ما حياة الإنسان بالذل إلا مّرة عند حسوها ممجوجة فثناءٌ (( للرافدين )) وشكراً وسلاماً عليك يا فلّوجة
|
||||||||