|
|
||||||||
| تدمر المدن العراقية وتكتظ المقابر ويصمد الناس
أفي شهر آب (أغسطس) الماضي، وحده، شهر البطولة الوطنية الدامية، كان في العراق (1062) شهيداً و(5144) جريحاً.
جاءت محافظة النجف الأشرف في الدرجة الأول ى من تلك التضحيات حيث قدمت (396) شهيداً وبعدها بغداد (318) والكوت (86) والأنبار (57) وميسان (52) والموصل (34) وديال ى (32) والحلة (29) والديوانية(20 والناصرية (14) وكركوك (7) وتكريت (6) والسماوة(3).
في ذلك الشهر أيضاً، أستعر لهيب نيران الاحتلال وأعوانه، ليغرق مدن العراق بالدماء وباللحم البشري والعظام المخلوطة بمباني السكان الآمنين، وجدران الأضرحة المقدسة، وحتي نالت قبور سكان العالم الآخر.
في كل هذه الجولات التدميرية، لم تبخل القوات الأمريكية في استخدام السلاح الفتاك المحرم دولياً.ويستمر التدمير دون انقطاع.
أما قيادات المقاومة الوطنية والقو ى الرافضة للاحتلال، فقد أظهرت الوقائع بأنها تمتعت بقدر ملحوظ من الصبر والحنكة السياسية والثبات علي المبدأ، واستطاعت أن تكيف خططها النضالية وأساليبها بنجاح.
في معارك المدن تلك، ضد الاحتلال، منذ أكثر من عام ونصف مض ى عليه، تعززت أكثر وحدة العراقيين، وتبادلهم العاطفة والمعونة والهم المشترك.
وقد أعربت القيادات الوطنية، إلي جانب تمسكها بالنضال الوطني لتحرير العراق من الاحتلال، عن مساندتها لصمود الشعب الفلسطيني بوجه العدوان الصهيوني، وللمقاومة اللبنانية، وتأكيدها وطنية وقومية المواجهة الراهنة في العراق. كل ذلك رفع من مكانتها علي الأصعدة الوطنية والعربية والإسلامية، وصار حافزاً في ذات الوقت، للدعوة لمزيد من الدعم الشعبي العربي والإسلامي والعالمي لهذا النضال الصعب، لكنه العادل والمشرف.
برز في الصراع السياسي الراهن، دور القيادات الدينية. و هذا ما يرحب به كل المخلصين لأهداف إنجاز التحرير والتغيير الاجتماعي، عندما تساند تلك القيادات، النضال لإنجاز تلك الأهداف أو تتول ى قياد ت ه.
ولا يجوز تسبيب ذلك الصعود في دور القيادات الدينية، بمجرد تردي مكانة الأحزاب السياسية العريقة، التي انزلقت بأغلبها إلي منحدر التواطؤ مع الاحتلال الأجنبي.
فقد وقع في ذلك المنزلق أيضاً، كثرة من الأحزاب والقيادات الدينية، (الشيعية والسنية)، بسبب التواطؤ مع المحتل أيضاً.
من هنا، فأن فاصل التميز بين القو ى المتصارعة الآن، هو البحث في وطنية الصراع، أو في التخلي عن تلك الوطنية. و هذا ما ينبغي أن تتنبه له الأحزاب والمنظمات التي سارت في الطريق الخطأ، والتي تستطيع أن تتراجع عنه.
كانت أغلبية المرجعيات، من كل الأديان والمذاهب، قد أصدرت فتاو ى وبيانات بمقاومة غزو العراق قبل التاسع من نيسان (ابريل) 2003. لكن البعض منها شرع بتغيير تلك المواقف المشرفة تدريجياً، فتخل ى عن الدعوة للجهاد ومقاومة الغزو، بل راح يهادنه.
ومن الدروس التي يمكن استخلاصها من الاشتباكات الأخيرة، وخاصة في آب الماضي، أن التواري عن ميدان المواجهة، تحت أية ذريعة كان، واتخاذ موقف التوازن بين الاحتلال والقوي المناهضة له، انما هو لعب بالنار، لن ينتهي ألا بإحراق لاعبيه قبل غيرهم.
وبات واضحاً أن جميع المرجعيات الدينية، بمن فيها أعلاها مكانةً، وأقدرها حسماً، لا تستطيع الحفاظ علي مكانتها الشعبية المعهودة، والمقدرة، دون رعاية مرجعية الشارع الوطني، المطالب بإنهاء الاحتلال فوراً، ودون تلبية مطالبه.
ان الانحياز لمطلب الشارع، الذي تصاعد رفضه للاحتلال، وسخطه عل ى مجازره، وإدانته لأتباعه، هو وحده الذي سيحفظ لجميع المرجعيات الدينية والسياسية والعشائرية، مكانتها بين الشعب.
اقترن الصعود الواضح والشامل، للنضال الشعبي ضد الاحتلال في الجنوب العراقي، بانهيار أكذوبة (شيعة أمريكا)، وتخرصاتهم وادعاءاتهم عن قبول سكانه بالاحتلال، بوصفه منقذاً لهم ومعززاً لمكانتهم.
تلك الأكاذيب بدأت تنهار، وسط الناس الأكثر قدرة علي التمييز في البداية. لكنها تنهار، علي المستو ى الشعبي أكثر فأكثر، بعد مجازر النجف والكوفة، ومدينة الصدر والحلة والعمارة والكوت والمدن الأخر ى .
انته ى فشل الحل العسكري، علي خلاف ما خطط له المحتلون وأعوانهم إلي الاعتراف بالمقاومة الوطنية، باتفاقات موقعة مع ممثلي وقادة مدنها.
فتلك الهدنات، لوقف القتال، علي أساس انسحاب قوات الاحتلال من قلب المدن العراقية، في النجف والكوفة والفلوجة وسامراء والبصرة، ومدينة الصدر والعمارة، وغيرها عبرت، رغم أنها كانت مؤقتة وهشة، عن تحول نوعي في اصطفاف القو ى بين الاحتلال وبين معارضيه.
مع ازدياد مأزق الاحتلال، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً ومعنوياً، فأن القيادات الوطنية، تدرك بالتأكيد الخطط التي يعد لها الاحتلال وأعوانه، التي باتت مفضوحة، بل جري الإعلان عنها بتجديد الاكتساح الشامل للمدن العراقية، وتصعيد المجازر الدموية ضد سكانها الآمنين، بهدف أرضاخ الشعب لقبول الاحتلال، ثم بهدف تمزيق قواه وتشتيتها، باختلاق معارك جانبية بينها.
فلم تعد خافية ألاعيب عقول الاحتلال وأعوانه، في افتعال المعارك الجانبية لإلهاء الناس بمآسي الماضي، وبالخلافات المتعلقة به، والسعي لأن تنسحب تلك المشاكل علي مواقف الحاضر، وتغطي عليها.
ان الهدف من كل ذلك هو التغطية علي جرائم الحاضر، ثم تفريق الصف الوطني المناهض للاحتلال والمكافح من أجل تحرير الوطن.
تدرك قيادات النضال الوطني، دون شك، أهمية توقيت المعارك مع الاحتلال، وتجنب ألانجرار إل ى الافتعالات التي يلجأ أليها، لجرها لمعارك شاملة قبل نضوج أوانها وقبل استكمال الاستعداد الشعبي لها، وبعد أجبار الشعب علي معاناة إرهاق كبير.
ان وحدة قو ى الشعب الوطنية، هي مفتاح النصر، بل هي صارت بمثابة كلمة السر، أو البيان الأول، لانتفاضة الشعب المطلوبة لإزاحة الاحتلال البغيض.
كما أن نضال العراق، ضد الاحتلال الأجنبي، هي معركة الجيل الصاعد، معركة الشباب أولاً، شباب الطبقات الكادحة المسحوقة، وطلبة الجامعات والمعاهد، الذين كانوا دائماً عماد ثورات الشعب وفتيلها، والشباب المثقف في المؤسسات المهنية وفي الجوامع وفي بقية تجمعات السكان.
ويتطلب كسب الشباب في هذا النضال الطويل، الخطاب السياسي المفهوم منهم، ويتطلب مساعدتهم في العمل المنظم. فالتنظيم الشعبي سلاح لابد منه للمواجهه اليوم، وللبناء غداً.
بعد احتلال العراق أعلن بوش أن العراق أصبح الساحة الرئيسية لمكافحة الإرهاب. هو لا يعني بذلك، سو ى أنه أصبح الساحة الرئيسية للمطامع الإمبريالية ولترسيخ هيمنتها في المنطقة وفي العالم.
عرف شعب العراق تاريخياً، بأنه محب للسلم والبناء الآمن لكن خصومه يضطرونه لقبول التحدي ومواجهته، رغم معرفته للثمن الباهض الذي يدفعه من الدماء والمعاناة.
فلم يترك له خصومه خياراً آخر غير هذا التحدي.ومن المشكوك فيه حت ى لد ى مثقفي أمريكا والغرب، وعقلائهم، أن أمريكا هي التي ستخرج منتصرة في تحديها.
|
||||||||