حجم اصغر

حجم اكبر

لطباعة الصفحة
لفتح الصحة علي برنامج : ADOBE

مثقفو تحرير العراق روعة الإبداع ومأثرة الصمود

 

كثيراً ما ينصرف الانتباه إلى أدوار الشخصيات والجماعات التي أعلنت جهاراً تعاونها مع المحتل الأجنبي دون إخفاء أو تزويق.

 

فهؤلاء هم في الحقيقة، معروفون ومنبوذون، بسبب تواطئهم مع الأعداء، وتخليهم الفاضح عن القيم الوطنية.

 

لكن ما هو أكثر خطورة من هؤلاء، أولئك المرتدون الجدد الذين انقلبوا على القيم الوطنية وراحوا ينظرون للتعاون مع غزاة بلدهم.فالمرتدون حين يتحدثون عن العلاقة بين الاستبداد والخطر الخارجي، لا يرون خطراً في الإمبريالية والعدوان الصهيوني على فلسطين وعلى العرب، سوى العتاب بأن: " إسرائيل هي التي أمدت الحكام العرب بالأسباب التي تبرر الديكتاتورية والتي تجعل من الديمقراطية قضية مشبوهة في الوطن العربي "!

هم بهذه الدعاوى المقلوبة، يفصلون بين شقي النضال المتلازمين، ضد الاستبداد وضد الخطر الخارجي معاً.وإذا كان الاستبداد عندهم موضوعة قد استوردت مسبباتها من الخطر الخارجي ـ(إسرائيل)، أو الإمبريالية الأمريكية، فلماذا لا تكون الديمقراطية أيضاً بضاعة يجوز استيرادها من الخارج ؟

 

سبق أن جرت الإشارة إلى تبشير المرتدين بأن عصر ثورات الشعوب قد انتهى.وهذا ينتهي إلى التعويل على عنصر فاعل في التغييرات الداخلية، وهو العامل الخارجي.ولا يقصد به بالطبع سوى تدخل الدوله العظمى ـ أمريكا.

 

إن التبشير بانتهاء عصر الثورات الشعبية، يحمل معه بالضرورة، نفي دور نضال الجماهير، وإنكار الصراع الطبقي ودوره في التغييرات الاجتماعية.

 

تُشن في إعلام اليمين الأمريكي، وأتباعه من المرتدين الجدد في العراق، حملات متواصلة لتشويش الوعي الجماهيري وكذلك التمثيل الجماهيري.فالديمقراطية تستند إلى رأي الأكثرية وصوتها.وهؤلاء المرتدون حين يقتصرون على نخبة الأقلية المشتراة، ومن يتبعها من المضللين، إنما يزّورون الديمقراطية حين يدعون أنهم يمثلون الأكثرية، دون انتخاب أو تصويت.

 

يهاجم المرتدون نهج العسكرة في النظام السابق الذي تجاوز حاجات الدفاع عن الوطن، ولكن بدله، تحل اليوم عسكرة لا مثيل لها في كل تاريخ بلادنا.فهي تشمل هيمنة الجندي الأمريكي والبندقية والصاروخ وطائرة الأباتشي والسيارات المفخخة الأمريكية، على مداخل وسطوح كل بيت وكل شارع وجامعة ومسجد وفي داخل كل نفس عراقية.أما الجديد فيها، فهو كونها ليست عراقية بل أجنبية الآن.

 

إن عسكرة العراق، هي البروفة لعسكرة العالم من جانب اليمين الأمريكي المتصهين الذي شرع بإحكامها تحت مسميين كاذبين: مكافحة الإرهاب وتحقيق الديمقراطية !

 

ولو دققعنا في نموذج تطبيق الديمقراطية الأمريكية في العراق المحتل منذ عام ونصف، والذي أعلنت فضائحه على العالم، نجد أن جوهرها وواقعها، لا ينسجم مع وصف الليبرالية الجديدة.

 

فقد قدم المحتلون الأمريكان وأعوانهم من العراقيين، نماذج مثيرة من القتل والمقابر والعقوبات الجماعية، وصور التعذيب الجسدي والنفسي، لا تقل عما عرفه تاريخ الفاشية والمكارثية.

 

فهذه " الديمقراطية " التي اندمجت مع مهمة " مكافحة الإرهاب "، كانت في العراق، خلال الاحتلال، نموذجاً لفاشية جديدة.

 

وصف عتاة اليمين الأمريكي المتصهين، ديمقراطيتهم الجديدة، على الشكل التالي: " لك الحق أن تقول ما تشاء..ولنا الحق أن نفعل ما نشاء".وقد وجدنا تطبيقاً ملموساً لهذه الازدواجية المتناقضة بين حرية القول والعمل.

 

لكن المرتدين الجدد، عندنا في العراق، يمضون بترحيبهم بهذه الديمقراطية الزائفة لغزاة الوطن، " سواءً جاءت تلك الديمقراطية على ظهر جمل عربي أو على ظهر دبابة أمريكية".فالعراق هو النموذج المعروض الآن.ويترتب على الجميع الالتحاق بهذا الركب.

 

في كل حديث أو تحليل للوضع في العراق، يكرس المرتدون الجدد كل جهدهم لصرف الانتباه عن القضية الجوهرية، وتحويلها بطرق لجوجة نحو الصخب الممل عن مآسي الماضي.

 

نعني بالقضية الجوهرية، أن بلداً مستقلاً، عضواً في الأمم المتحدة، وفي جامعة الدول العربية، قد انتُهك استقلاله الوطني، واحتلت القوات الأمريكية ـ البريطانية أراضيه، وحلت جيشه ودولته، وسرقت ثرواته ومعالم تراثه الحضاري، وهي مصرة على إفناء مستقبله.

 

ما هو مثير للأسى والاستهجان معاً، أن يتحول العراق الذي ناصر قضية الشعب العربي الفلسطيني، وتصدى في كل العهود للمطامع الصهيونية، إلى مرتع لعصابات الصهاينة تتسرب من كردستان، وفي غفلةٍ من الشعب الكردي الأبي، الطيب، ومن حدود العراق المفتوحة، لتعيث فساداً في أمنه واقتصاده وثقافته، وتخطط لإثارة الفتن فيه وتهدم وحدته.

 

في عشية الاحتلال، بشر المرتدون، الشعب بقرب "التحرير"، وبربيع بغداد القادم، وها هم اليوم يتحملون الجرائم التي رافقت الاحتلال الذي مهدوا له.فقد برروا وباركوا تلك الجرائم.بعضهم أصدر بيانات أو مقالات عن فضائح (سجن أبو غريب) منوهاً عنها، بعتاب خجول للمحتل.آخرون طالبوا بإقامة نصب تذكارية لجنده !

 

اليوم هم، يواصلون إقامة أعراس فرحهم بما أسموه " انتقال السلطة إلى العراقيين"، يوم 28 حزيران الماضي.

 

بهذه المناسبات تطلع علينا أيضاً، بين حين وآخر، مجموعات من حملة الألقاب والشهادات الأكاديمية، بمذكرات يعرب فيها كاتبوها، ((عن تقديرهم وشكرهم لمجرمي الحرب بوش وبلير لمبادرتهما النبيلة والشجاعة، وللمأثرة الإنسانية التي قدماها لشعبنا ووطننا )) !

 

فلنترك الأمريكان والإنكليز يعطون جوابهم على هؤلاء.وإليكم بعض النماذج مما قالوه :

 

كتبت جريدة (نيويورك تايمز) الصادرة يوم 25/4/2004 تقول: " شعرنا أن غزو العراق كان خطأ من دون دعم دولي واسع.ومنذ ذلك الحين رأينا مؤشرات قليلة على أن مفهوم السيد بوش حول إقامة ديمقراطية مستقرة، ليس سوى حلم .." .

 

وكتب الكاتب البريطاني (باتريك سيل) في جريدة (الحياة)، الصادرة يوم 4/6/2004 مقالة جاء فيها :

 

" وصفت مجلة (نيوزويك)، الإدارة المحلية، بأنها " أخرق قيادة مدنية في تاريخ أمريكا الحديث".وفي إشارتها إلى الحرب قالت المجلة: " إن الجنود الأمريكيين وضعوا في المكان السيئ و في الوقت السيئ و للأسباب السيئة " .

على أنقاض الردة والمرتدين، لبعض المثقفين والسياسيين العراقيين، ينهض اليوم، جيل صاعد وواعد من مناضلي الفكر والأدب والفن والممارسة السياسية، يصل الماضي بحاضر أطيب.

 

سعدي يوسف، الشاعر والمناضل والإنسان، واحد من هذا الجيل القديم الجديد، أو نموذج له.فهذا الجيل، يضيف إلى روعة الإبداع، مأثرة الصمود، بوجه سحب الدخان المسموم الكثيفة، وصرخات العداء الحاقد الذي تعجز عن إسكات صوت العراق الطيب.

 

هو جيل تتكاثر في سمائه نجومه وكواكبه، جيل يفضح الردة على الوطن والثقافة، ويبتذل الخيانة.يدعو الناس بلغة واضحة، محببة تنفذ إلى العقول والقلوب، إلى العمل الموحد وإلى الصف الواحد .

 

باقر ابراهيم © http://www.ibaqir.net