حجم اصغر

حجم اكبر

لطباعة الصفحة
لفتح الصحة علي برنامج : WORD
لفتح الصحة علي برنامج : ADOBE

وحدة العرب والأكراد متراس متقدم للدفاع الوطني

 

لم يعرف تاريخ العراق، صراعات أو نزاعات بين مكًوناته القومية، أي بين العرب والأكراد والتركمان والقوميات الأخرى، وكذلك بين الديانات والطوائف الإسلامية المختلفة.

 

ف حضارات العراق القديمة والحديثة، كانت منذ قرون طويلة، نتاج هذه التركيبة المتآخية، ونتاج تلاحمها في البناء، أو عند الدفاع عن الوطن.

 

في كنف الإسلام وأمة العرب، ازدهرت اكثر، مقومات وثقافات تلك الأقوام والأديان والطوائف. وهي لم تعرف الصهر ألقسري أو الاضطهاد. كما تؤكد الأحداث، أن أية محاولات لافتعال التصدع، أو الخلل في العلاقة بين عناصر التركيبة العراقية، لم تلق الاستجابة الشعبية، بل قوبلت بردود فعل معاكسة.

 

واليوم، فأن المغرضين، أو المغفلين وحدهم، لا يرون التخطيط لافتعال الخلل والنزاعات في تركيبة الشعب.

 

إذا كان شعار إمبراطور روما بالأمس (أن قرطاجة يجب أن تدمر)، فشعار الإمبراطورية الأمريكية - الصهيونية اليوم، أن وحدة العراق يجب أن تدمر. لكن على المدمرين الجدد أن يدرسوا تاريخ شعبنا.

 

فان محاولات سلطات الاحتلال التركي والإيراني، إثارة الفرقة الطائفية بين الشيعة والسنة، عند سيطرة كلا الدولتين على العراق، رد الشعب عليها بتعزيز وحدته الإسلامية والوطنية.

 

إذا كانت المعلومات عن تلك الإحداث التي جرت بالأمس البعيد، لم يعد يتذكرها الناس، فأن خيبة المخطط الأمريكي - الصهيوني، بإثارة الفتن بين الشيعة والسنة، بين العرب والأكراد، بين الأكراد والتركمان، بين المسلمين والمسيحيين، بعد احتلال العراق في نيسان عام 2004 ، ما تزال طرية في أذهان الشعب و شهدها العالم كله.

 

ما يؤكد طراوة هذا الحدث، في أذهان العراقيين، أن مخططهم ما يزال يخوض معركة عنيفة متواصلة، لم تنته فصولها بعد. لكن الخيبات هي التي ستكون نتيجة كل فصل فيها.

 

في عصرنا الراهن، صارت الوطنية العراقية، عنوان لتآخي القوميات والأديان والطوائف في العراق.

 

أنها لم تكن وليدة عهد الاستقلال في القرن العشرين بل تبلورت منذ قرون طويلة سبقته.

 

وليس من المصادفات، أو بدون هدف، أن يؤكد المرتدون الجدد وأعداء الوطنية العراقية، أن العراق كوطن و كشعب ، لم يكن موجوداً ألا منذ الاحتلال البريطاني له عام 1917، وأنه تكون بصورة مفتعلة بعد ذلك التاريخ تحديداً.

 

أن بعض القادة الذين يتراجعون عن خط النضال الوطني، من الأكراد، أو من الأقليات القومية أو الدينية، يتبارون الآن مع زملاء لهم من العرب الذين دخلوا الخيمة الأمريكية، في إثارة هستريا صراع القوميات والأديان والطوائف على الساحة العراقية. و نجد بين هؤلاء من بلغ بهم الانفصام عن الوطنية العراقية، وحساسيتهم تجاه القضايا العربية، وليس تجاه الاستبداد والدكتاتورية، حد أن يعتبروا الصهيونية، هي في الجوهر، حركة تحرر لليهود، كسائر الحركات التحررية الأخرى.

 

أن الارتداد عند بعض اليساريين والتقدميين العرب، عن مبادئ الوطنية والقومية والأممية، وقبولهم ارتهان حل قضايانا الوطنية بحروب أمريكا وبغزوها للوطن، باسم تحريره من الدكتاتورية، أن ذلك الارتداد كان مركباً ومضاعفاً عند بعض اليساريين من الأقليات القومية والدينية.

 

فهذا الهوى الارتدادي المركب، لا يمت إلى مصلحة الشعب الكردي، وشعوب الأقليات القومية والدينية بصلة.

 

أنه نتاج فقدان الرؤية السليمة والجزع من النضال الطويل، حين قاد المرتدين إلى البحث عن ضمانات عابرة وموهومة، كحماية الأجنبي، ومن يساندونه، والتصديق بوعودهم في الديمقراطية، أو بنهاية التم ي يز القومي والديني والمذهبي في ظل تلك الحماية.

وقد اعتاد من ربطوا مصيرهم بالاحتلال، أن يطلقوا التصريحات التي نكذب الفضائح التي تنشر في أمريكا والغرب، عن حقائق التدفق الصهيوني إلى العراق.

 

لكن تلك التكذيبات تدحضها حقيقة أن أولئك العراقيين أنفسهم، قد ربطوا مصيرهم كلياً بالمحتلين الأمريكان والإنكليز، الذين هم من أسس الكيان الصهيوني في قلب وطن العرب والمسلمين، وهم من يحمي عدوانه وتوسعه.

 

لذلك عاد من العبث الفصل بين العلاقة مع الكيان الصهيوني، وبين الاحتماء بحماته الأمريكان والإنكليز. فإذا كانت الحقائق عن التغلغل أو التدفق الصهيوني إلى العراق، يمكن تكذيبها بتصريح، فأن الإسهام المباشر والفعال في الخطة الأمريكية - البريطانية لاحتلال العراق وتدميره ونهبه وتحويله إلى مستعمرة، لم يتعلق بروايات أو إشاعات يمكن تكذيبها.

 

يكرر الذين فتحوا أبواب العراق للصهاينة، بأن العلم الإسرائيلي يرفرف الآن في عواصم عدد من الدول العربية. ويتساءلون: لماذا تسكتون عنها وتركزون هجومكم علينا؟ هم بهذه الحجة المتهافتة، أنما يتجاهلون الكفاح الشعبي المرير العربي والإسلامي والأممي، المضاد للعدوان الصهيوني وللتطبيع مع كيانه التوسعي.

 

أن بعض القيادات التي تصدع لديها وازع الحرص على وحدة الوطن العراقي، اضطرت، تحت تأثير مّعوقات داخلية وإقليمية ودولية، إلى العودة للحديث عن الشراكة في الوطن الواحد.

 

لكنها في الواقع لم تفهم من تلك الشراكة الآن، سوى الارتهان لما يريده الطامع الأجنبي بهذا الوطن الواحد، وسوى تنفيذ خططه، وهم لم يفهموا من هذه الشراكة سوى الاستحواذ على مواقع السيادة في الوطن الواحد، تحت ذريعة رفض معاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية.

 

وهؤلاء حين يقبلون بالاتحاد مع العدو المشترك لشعبهم ولكل شعب، صغيرًا كان أم كبيرًا، وحين يقبلون بما يقود إلى الافتراق عن الشعب العربي، اكبر نصير وشريك لهم في الوطن والدين، إنما يشبهون ذلك الذي يراهن على انتزاع حقوقه من إخوانه وشركائه، ليودعها لدى عصابة اللصوص الطامعين فيها، والطامعين به وبإخوانه.

يستهوي السياسيين الموالين للاحتلال الأجنبي، اللعب بذات الأوراق التي تلعب بها أمريكا والصهيونية. من ذلك مثلاً، اللعب بورقة الطائفية وتحديداً، تقسيم العراق إلى ثلاث كانتونات رئيسية متنافرة، تضم كلاً من الشيعة والسنة والأكراد.

 

في هذا التقسيم، لا وجود لكلمة العرب. والهدف واضح هو حرمان عرب العراق من الصفة القومية، وبالتالي من الرابطة بأمة العرب.

 

فهل يجوز اعتبار النقد لهذه الطروحات التخريبية مساساً بالحقوق القومية العادلة للشعب الكردي، أو الأقليات القومية والدينية؟

 

إذا كان أعداء العراق يسعون حثيثاً لإثارة المشاحنات القومية والطائفية في العراق، ويصبون الزيت على نارها بعد إشعال فتيلها، فان النقد والمعالجة الموضوعية والبنا ء ة لأخطاء القيادات السياسية، عربية كانت أم كردية أم تركمانية، أم مسيحية، شيعية أم سنية، هما من أسلحة الكفاح الهادفة لتسديد مسعى العراقيين من أجل التحرير والتقدم والوحدة الوطنية والقومية.

 

أن وقائع الحياة السياسية الراهنة في العراق، تشير إلى أن هذا المنهج الخاطئ، يلقي صداً، في أوساط الشعب . ويتذكر الناس الواعون أخطاء الماضي التي يعاد تكرارها للأسف الآن، بما هو أكثر من الخط أ أو الزلة، خاصةً ما يتعلق بالارتهان للأجنبي، وبتصديق وعوده وتناسي مكره.

 

ولكن لا يمكن أن ينسى الناس بسرعة، أن عشرات الألوف من القوميين والإسلاميين والشيوعيين واللبراليين، من العرب والأكراد و التركمان و الكلدان و الأثوريين وغيرهم، قد جمعتهم المعاناة والآمال المشتركة، في سوح النضال، وفي السجون، وفي المنظمات المكافحة الموحدة، وفي جبال ووديان كردستان.

 

كان عنوان تلك النضالات، مواجهة الاستعمار الأنكلو أمريكي، وعملائه أولاً. وكان النضال ضد الاستبداد الداخلي ومن أجل الديمقراطية للعراق، والحقوق القومية للشعب الكردي والقوميات الأخرى، هو عنوانها الآخر المكًمل.

 

لذلك غدا من المفارقات، أن ينقسم مناضلو الأمس إلى فريقين : يقف الأول إلى جانب الاحتلال وخراب بلادهم، من قبل التحالف الأنكلو - أمريكي - صهيوني، بينما يقف الآخرون ضده.

 

و حينما تتكرر الأحاديث عن أخطاء التعامل مع النظام السابق، بدافع التخفيف من الإدانات للارتباط بالمحتل الأجنبي، ف لا أحد من تلك القيادات السياسية، سيصيبه لوم وإدانات أكثر من القيادات التي تتعاون حالياً مع الاحتلال الأجنبي.

 

وإذا شئنا أن يكون ذلك الافتراق، عابراً أو مؤقتاً، فهو لا يمكن أن ينتهي بموعظات أو نصائح ولا بالبكاء على الماضي، لأن الوحدة هي مستقبل الشعب، وهي سلاحه لاستعادة استقلال بلاده.

 

إذا أفلح المحتلون، ومن يقفون معهم، أن يوزعوا جزرهم وعصيهم بين هذا الشعب أو ذاك، بين هذه الطائفة أو تلك، على هذه المنطقة من العراق أو غيرها، فسيدرك كل أبناء شعبنا إنهم لم يأتوا ألا ليسرقوا خيرنا بعد أن يهشموا وحدتنا.

 

وما يسر كل وطني غيور، وما يسر بسطاء الناس في العراق، أن الإدراك يتسع ويترسخ في شعبنا بالتعلق بالوحدة ورفض التمزق.

 

في أربعينات القرن الماضي، رفعت بعض القيادات الوطنية الشعار الصحيح التالي: )) على صخرة الاتحاد العربي الكردي يتحطم الاستعمار ومشاريعه . ((

 

هناك من أرتد أو أصابه مرض نسيان ذلك النداء الصحيح، لك ن الشعب العراقي بكل تركيباته القومية والدينية والمذهبية، يحتاج أليه اليوم أكثر من الأمس.

 

فوحدة كل شعب وكل وطن، هي حاجة اقتصادية واجتماعية ودفاعية إضافة إلى كونها عاطفة وتكوين نفسي نشأت تاريخياً.

 

باقر ابراهيم © http://www.ibaqir.net