حجم اصغر

حجم اكبر

لطباعة الصفحة
لفتح الصحة علي برنامج : WORD
لفتح الصحة علي برنامج : ADOBE

في ذكر ى ثورة 14 تموز:

الوطنية العراقية متصلة لا انقطاع فيها

 

كانت ثورة 14 تموز 1958، التتويج لصراع طويل الامد ومرير، خاضته كل القو ى السياسية الوطنية، وعانت خلاله عذابات وقدمت تضحيات وا ب دت بطولات لا حصر لها.

 

وهي في هذا المجر ى الكفاحي، جسدت طموح الشعب للخلاص من الاستعمار البريطاني بالامس، والنظام الموالي له، ثم التحالف الانكلو ـ امريكي لاحقا.

 

واذا استهدفت الثورة، خلاص الشعب من وضع مؤلم، انما كانت تطمح لضمان تقدم العراق. وهي حققت نجاحاتها بعد معاناة اخر ى ، في الفرقة بين القو ى المكونة للحركة الوطنية، حينما استطاعت توحيد فصائلها في (جبهة الاتحاد الوطني)، التي اعلن ميثاقها في اذار 1957، وكانت الاطار الموحد الذي مهد لتلك الثورة، وضمن نجاحها.

 

عند الحديث عن دروس تلك الثورة، فاننا نتوقف عند المحطات المهمة، لبلورة التطورات المعاصرة في الوطنية العراقية، وآثارها علي واقع الحركة الوطنية اليوم، وعلي مستقبلها.

 

ويهمنا ان نتناول ايضا الانحرافات، والخروج عن النهج السليم، في تدقيق الوقائع والحقائق المتعلقة بذلك الحدث الكبير.

 

من ذلك، ان بعض الذين يكتبون عن ثورة 14 تموز، وعن ادوار قياداتها، يتجاهلون ان تلك الثورة وشخوصها البارزة، انما تألقت وطنيتها، بفضل مصارعتها للعدو الاكبر لشعبنا: الامبريالية العالمية، وللنظام الموالي لها، ثم في سعي الثوار والشــعب، للبديل الافضل الذي كان يطمح لتحقيقه.
انهم يتجاهلون ان الذي اجهز علي الثورة، بعد تمزيق صفوفها، وتفكيك قواها وقياداتها، هو العدو ذاته المتمثل بالتحالف الانكلو ـ امريكي آنذاك.

 

لكن بعض الكتاب والباحثين، برزوا ادوار الصراعات الثــــانوية بين تيارات وقو ى وشخصيات الثورة، ليعطوا تلك الصراعات الدور الاول.

 

هم يتجاهلون، او يغمضون العين، عن حقيقة ان العدو الاكبر لشعبنا، قد افاد واستثمر الفرص التي اتاحتها له ولخططه، صراعات تلك القو ى ، والتيارات والشخصيات الوطنية، بعد ان صارت في السلطة، او في دائرة التأثير في السلطة.

 

هنا وجدنا ان الاساسي والمساعد في العوامل، قد التبست عند اولئك الكتاب والباحثين. لكن اسباب هذا الالتباس ، لم تكن هفوة، او مصادفة. فبعض الذين وقعوا فيه، قادهم سوء حظهم، لان يلتقوا اليوم، مع ذات العدو الذي اجهز علي الثورة، وان يتحالفوا معه.

 

بالامس وقعت بعض التيارات والقيادات الوطنية، باخطاء فادحة. وهي حين ذهبت في خصوماتها السياسية الداخلية، حد تصفية الطرف الاخر من حلفاء الامس، فان اكبر الاخطاء، كان لقاؤها مع خطط العدو الخارجي للاستعانة به في صراعها الداخلي.

 

ان بعض المرتدين الجدد، وهم ينغمسون في تحالفهم الجديد مع العدو الاول لشعبهم، الامبريالية، يرددون فكرة: ان شعب العراق، لم يجن من حركة النضال القومي العربي، طيلة خمسين عاما، سو ى الهزائم والانتكاسات !

 

وحين يدان النضال القومي العربي، يتجاهل هؤلاء، ان ثورة 14 تموز، لم تكن سو ى حلقة هامة في حلقات ذلك النضال التحرري العربي.

 

تعلو تلك الدعوات، في الوقت الذي لم يعد سرا، ان في مقدمة اجندة المخطط الامبريالي ـ الصهيوني،  صد ذلك النضال ومنع نهوضه عن طريق تفكيك وحدة قواه.

 

وتلك الادانات للنضال القومي العربي، انما يقصد بها، ما هو ابعد من ذلك. اي الحط من كل قيم النضال الوطني والقومي والانساني، والغاء ذاكرة الشعب الكفاحية.

 

وكل ذلك يهدف الي الانخراط في نهج العولمة الامبريالية، والقبول بالهيمنة الامريكية ـ الصهيونية، التي هي غاية احتلال العراق.

 

ان الاتجاهات السليمة في الحركات القومية والاسلامية والشيوعية والبعثية، وفي الحركة القومية الكردية، التي اتسم منهج اجنحتها وشخصياتها ببعد النظر وبالعقلانية، قد حوربت بشدة ليس  من جانب السلطة وحدها، بل من جانب كثير من معارضيها ايضا.

 

فهي حوربت باساليب متنوعة بسبب اصالة وطنيتها، تحت ذريعة الاتهامات باليمين، او بالنزعة التصالحية، وتحت يافطات شديدة الوقع الثوري، لكن حامليها انتهوا الي الاستسلام التام امام اخطر اعداء بلادهم واعداء البشرية، والي دخولهم في مخططاتهم.

 

ان قساوة الاستبداد، ورفض كل المساعي للاصلاح وللمطالبات بتعزيز الجبهة الداخلية، لمواجهة الخطر الداهم، كل هذه العوامل قد التقت مع منهج الردة والتواطؤ مع الطامعين بالوطن، لتنتهي بنا الي كارثة الاحتلال، في 9 نيسان 2003.

 

بعض وطنيي وقوميي الامس دعموا الاحتلال، بل مهدوا له. وكانوا الوانا شتي: تقدميين ورجعيين، اسلاميين وعلمانيين، ناصريين وشيوعيين، بعثيين ولبراليين، ملكيين وجمهوريين.

 

الي جانب اولئك ساند الاحتلال ايضا ومهد له، اعداء للناصرية والبعث والشيوعية، للقاسمية وللاحزاب الاسلامية ايضا. وكانت الغرابة، ان يتوحد هذا الجمع المتنافر وراء هدف واحد باطل.

 

كانت بشاعة الاستبداد، بوق التجمع، وجواز المرور لذلك الحشد المتنافر الذي اتحد لتسهيل مرور الكارثة.

 

وها هو جواز المرور، الذي التقي لتسهيل الردة وبيع استقلال الوطن، يتهرأ ويغدو باطلا بسرعة.

 

فالوطنية العراقية، ظلت مغروسة في ضمير العراقيين، انها حاجة حياتية الي جانب كونها عاطفة.

 

وقد تطورت، وصار لها مفاهيمها المعاصرة الواضحة الان. ومنذ قرن مضي، اصبح للوطنية، ليس ارضها وبشرها فقط، بل تياراتها السياسية ومدارسها الفكرية ورموزها المعروفة ايضا.

 

ان المواصلة في الوطنية، بين الامس واليوم والغد، تقبل النمو والتجدد، لكنها لا تقبل الردة او القسرية في الانقطاع.

 

خلال 46 عاما، اعقبت ثورة 14 تموز، لم تنقطع يوما الحركة الشعبية المكافحة من اجل انجاز اهداف التحرير والتغيير في المجتمع، سواء علي مستوي النضال لتعزيز الاستقلال الوطني، ومن اجل الوحدة القومية، ام علي صعيد النضال من اجل التطور الاجتماعي والديمقراطية السياسية والتجدد الحضاري.

 

لتحقيق هذه الاهداف، فقد كان السلاح الاول للشعب، هو الوحدة. وحدة الشعب العراقي في الداخل، والشعب العربي في عالم العروبة، واخيرا في الجبهة العالمية لمناهضة الامبريالية.

 

ها نحن نشهد، ان الوطنية العراقية، تحتفظ بثباتها واصالتها، انها تستعيد حيويتها وتصر علي العمل، وتتجدد لتحل محل تلك القيادات التي القت براية النضال الوطني. وهي تولد اليوم، قوى وقيادات واعية مقدامة، تبشر جمهورها، وتبشر الشعب بمستقبل واعد.

 

باقر ابراهيم © http://www.ibaqir.net