حجم اصغر

حجم اكبر

لطباعة الصفحة
لفتح الصحة علي برنامج : WORD
لفتح الصحة علي برنامج : ADOBE

المصالحة الوطنية في العراق :الضرورات و الامكانات

 

  ترتفع الان في العراق اصوات تدعو للمصالحة الوطنية، كطريق يفضي الى انتشاله من حمام الدم وقيادة سفينته الى شاطئ الامان والسلامة.

 

ان المصالحة الوطنية كحل سليم، جوبه بالامس بمعارضات عنيفة من جانب القيادات السياسية التي ارتهنت الى الحل الخارجي للازمة العراقية، وتواطأت مع غزاة الوطن، واسهمت في مخططهم لتدمير استقلال العراق وحضارته وتراثه، وتهديد وحدته ومستقبله.

 

لابد لنا ان نذكر ان الدعوة للمصالحة الوطنية بالامس، كانت تنطلق من الحرص على البحث عن اخر فرصة لحل ازمة العراق داخليا، والحيلولة دون الكارثة التي حلت به مؤخرا. وكنا مع اوساط واسعة من دعاتها.

 

فالمجتمع العراقي، والرأي العام العربي والخارجي، يعرفون ان من دعوا للمصالحة الوطنية في العراق، كانوا يشكلون الاطراف والشخصيات الاكثر ثباتا في وطنيتها، وفي نضالها ضد الاستبداد، ومن اجل قيام النظام الديمقراطي.

 

وقد بذلت تلك الاطراف والشخصيات الوطنية، جهدا جادا ومضنيا من اجل تحقيق الاصلاح من الداخل وتجنب الكارثة. وبسبب مواقفها التي اتسمت بالعقلانية السياسية، فقد حوربت بشعارات ثورية زائفة، تخفي في طياتها الانشداد الى مخططات المستعمر الطامع، كما دللت على ذلك وقائع اكثر من سنة من الاحتلال.

 

وبدلا من التجاوب مع تلك الدعوات المخلصة لرأب الصدع وللمصالحة، ومنها مبادرة المناضل السيد حسن نصرالله، زعيم حزب الله في لبنان، قبل الغزو الامريكي للعراق بأشهر عديدة، فقد اهملها او حاربها آنذاك، الحاكمون والمعارضون معا.

 

فالنظام العراقي اهمل فكرة المصالحة، او سعى لقبولها باتخاذ بعض الاجراءات التسكينية الشكلية في وقت متأخر وبعد فوات اوان الاصلاح.

 

ومن الجانب الاخرفقد نددت بفكرة المصالحة الوطنية، او حاربتها المعارضة التي رهنت نفسها للحل الخارجي, اي الحرب الامريكية على العراق.

 

ويترتب الان على جميع الاطراف التي كانت مسوؤلة عن الكارثة، ان تقدم الحساب امام الشعب.

 

ويغدو واضحا الان، ان اي حديث عن المصالحة الوطنية، يتجاوز معارضي ذلك الحل الخارجي، معارضي الاحتلال، سواء من يقاومونه بالسلاح ام بالوسائل السلمية، انما يبقي تلك "المصالحات" تدور في فلك المساومات اللاوطنية بين انصار الاحتلال انفسهم.

 

وهي بهذه الصورة لن تكون لها من نتائج سوى دوام الاوضاع المأساوية. وان ما سمي بالمؤتمر الوطني الذي يجري الاعداد لعقده في اواخر تموز(يوليو) القادم، لن يخرج عن هذه الرؤية.

 

لقد اختلق المحتلون وانصارهم اتهامات لا حصر لها للمقاومة. من ذلك: انها تهدف الى عودة الدكتاتورية، او فرض نظام سلفي متخلف، او انها من صنع اجانب تسللوا الى العراق عبر حدوده، لتحقيق اهداف خارجية!

 

وحينما يتحدث هؤلاء عن نتائج عمليات المقاومة، فهم لا يذكرون سوى العمليات التي تدبر للاساءة الى سمعة المقاومة الوطنية كقتل المدنيين، او تحطيم انبوب للمياه، او خط للكهرباء هنا او هناك. انهم يتجاهلون عن عمد، واقع ان اكثر من (850) من جنود الاحتلال قتلوا الى جانب اكثر من عشرة الاف اصيبوا واخرجوا من المعارك، هذا حسب احصاءاتهم هم، وهي غير دقيقة بالطبع.

 

خلال الحقبة الاليمة من الاحتلال، اخذت تزداد شكوك الناس بدوافع العمليات المقصودة الموجهة ضد الناس الابرياء وضد المنشآت المدنية.

 

ومن الواضح ان كل تلك الاتهامات للمقاومة،التي هي امتداد للاتهامات السابقة المعروفة، انما تستهدف نزع صفة المقاومة الوطنية المشروعة عنها.

 

لكن استمرار هذه المقاومة ونموها وانتشارها، لتشمل اكثرية انحاء الوطن، وتستقطب عواطف اكثرية ابناء الشعب، انما يدحض تلك الاتهامات ويكشف بطلانها.

 

لقد جوبهت المقاومة الوطنية، وحركة المعارضة للاحتلال، بتدابير ارهابية بالغة القسوة. ولم تكن فضائح الابادة الشاملة للسكان، والعقوبات الجماعية وفضائح سجن ابوغريب، سوى نماذج جزئية تعكس واقع الارهاب الفاشي الذي لجأ اليه المحتل وانصاره ضد الشعب المقاوم والرافض لاحتلاله.

لذلك صار بسطاء الناس يتساءلون: هل هذا هو ربيع بغداد، وهل هذا هو البديل الديمقراطي الذي وعدنا به يساريون ولبراليون واسلاميون تعاونوا مع الاحتلال؟

 

أن تهديدات الحكومة الجديدة بأعلان الاحكام العرفية، او حالة الطوارئ، لن تضيف الى مخاوف الناس من الارهاب الفاشي وكذلك من الفوضى والانفلات الامني، مخاوف جديدة.

 

من حق كل انسان ان يتساءل: هل اننا نواجه حقا خطرا جديا بعودة نظام الاستبداد السابق؟

 

اني ارى ان مثل هذا التخويف، غير وارد الان. وهو مصطنع لاغراض واضحة، هدفها بقاء الاستجارة بالاجنبي المحتل.

 

فالصراع الرئيسي الدائر في العراق اليوم، هو ذلك الموجه ضد الاحتلال، والهادف الى استعادة استقلال الوطن، واعادة بنائه واقامة النظام الديمقراطي فيه. وهذا النضال لايمكن ان يتواصل ويكتب له النجاح دون استناده الى القاعدة الشعبية الواسعة.

 

ان التعاون في جبهة موحدة، من جميع القوى والشخصيات المعارضة للاحتلال، ومعها تلك القوى التي تستطيع ان تعيد النظر جديا بمواقفها الخاطئة السابقة، سيعيد للحركة الوطنية المنظمة دورها الريادي، وبالتالي مكانتها الشعبية.

 

وبخصوص القوى التي وقعت في الاخطاء، صغيرة كانت، ام كبيرة، فلابد من التأكيد بأن المساءلة المشروعة عن فترة الاستبداد والدكتاتورية، وهي مطلب كل الشعب، لاتبرر بأية صورة مواقف القوى التي تواطأت مع غزاة الوطن، او مسوؤليتها عن احتلاله وتدميره.

 

ان مهمة تحرير العراق من الاحتلال، ووضعه على طريق السلامة والتطور، واعادة اعماره، يتطلب تجميع اكبر ما يمكن من قواه الحية، ويتطلب ايضا تقديم هذه المهمة على سواها.

 

وحينما ندرك سعة حلقات الاخطاء، وما هو اكثر من الاخطاء، التي شملت للاسف، اكثرية القوى السياسية الفاعلة بالامس في المجتمع العراقي، فأن موقف التسامح، والدعوة الى المصالحة الوطنية، يغدو الاكثر قبولا ورواجا في الوسط الشعبي.

 

في مقدمة ما يشجع القبول الشعبي بفكرة التسامح والدعوة للمصالحة الوطنية ، ان تقترن بنقد وادانة اخطاء الماضي والحاضر، والاعتذار للشعب العراقي، المتضرر الاكبر منها.

 

انها تعني تحديدا، اقتران الرغبة باقامة النظام الديمقراطي، بمطلب تحرير العراق من الاحتلال الاجنبي، دون تسويف او زوغان.

 

نحن اليوم امام خيارين: اما ان نمضي حتى النهاية في الطريق المفضي لمزيد من الدمار للعراق المنكوب، او ان نجد الحلول المعقولة التي ستنقذه.

 

ان وعي بسطاء الناس، يتسابق مع وعي الطلائع السياسية. وتشهد اللوحة السياسية في العراق، ان الاحزاب السياسية والقيادات الدينية تركض وراء الشارع العراقي. وهذا الشارع لايؤثر فيها فقط بل يقودها احيانا.

 

ورغم عمق المأساة التي خلفتها الدكتاتورية في المجتمع العراقي، فقد اظهر العراقيون قوة فائقة من الصبر والتحمل والتحلي بالمسوؤلية الوطنية التي فاقت كل التوقعات. فقد رفض الشعب وفضح المخططات التي رسمت لتفتيته او تقسيمه، واتخذ مواقف الرفض التي جعلت قادة اكبر دولتين عظميين يعجزون عن قهره. وحملتهم على التسكع، من جديد على اعتاب الامم المتحدة والدول الاوروبية وغيرها، في مسعى للخروج من مأزقهم، ولايجاد اكباش فداء تبرر جرائم احتلالهم.

 

ويثمر الوعي الشعبي لمتطلبات الانقاذ الوطني عن ارتفاع الدعوات التي تطالب بايقاف الحرب على المقاومة الوطنية، التي هي حرب على الشعب كله، ويثمر عن تصاعد الدعوات الناصحة بالتفاوض مع معارضي الاحتلال، ومع المقاومين تحديدا.

 

حينما تقبل حقائق الوضع الجديد الناشئ في العراق، بعد اكثر من سنة من رؤية مآسي الاحتلال، وبعد رؤية الطريق المسدود الذي آلت اليه حلول العنف والقمع، حينذاك تتوفر الامكانات الجدية لان توضع الحلول العقلانية، السلمية، التي تنقذ الموقف، والتي يرتضيها الشعب، في جدول العمل الفعلي.

 

ان ضرورة تعزيز وحدة القوى الوطنية اولا، والسعي لتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة ثانيا، من شأنه ان يقصر امد المآساة، ويضع العراق على ط ريق السلامة.

 

باقر ابراهيم © http://www.ibaqir.net