|
|
||||||||
| تحية لثقافة الرفض..لثقافة التحرير
أإن مثقفي الاحتلال، العلمانيين أو الدينيين، يجمعون على قبول ثقافة اليمين الأمريكي الصهيوني. وهم يدخلون ليس بشكل صريح عموماً، أو مباشرة بل عن طريق تبرير ثقافته، في "صراعه الحضاري" الذي دعا إليه.
هم يقولون أن هناك فارقا بين حضارة الغرب بالأمس، وحضارة اليوم، فحضارته بالأمس قدمت نفسها على صورة مستعمر، يحتل بلادا لشرق والإسلام، لذلك رفضت كلها، حتى الجانب الديمقراطي فيها. لكنها اليوم تختلف. إنهم لا يلجأ ون إلى الاستعمار. وحينما يحتلون بلداً فذلك اضطراراً ومؤقتاً، ثم ينسحبون، لأنهم (( محررين )) وليسوا محتلين!
لا نكشف سراً بل هي حقيقة باتت معروفة لجميع. حينما نجد مئات من العراقيين، الإعلاميين والعسكريين، ومن لهم خبرة بالتعليم، وحتى بالشريعة الإسلامية، قد أدخلوا دورات مركزة من قبل إدارات دول الاحتلال، وفي دول أخرى تابعة، ليكونوا أداة نشر سياسة الاحتلال وثقافته. هؤلاء يتقاضون مرتبات وامتيازات مادية، هي أقرب إلى الخيال، قياساً إلى واقع أجور العاملين في العراق المحاصر والمدمر.
وما هو مثير للأسى والسخرية معاً، إن هذا التخريب الهائل للعلم والمعرفة والثقافة وللقيم الشريفة، يتخذ تسميات مثل (( أعمار العراق )) ونشر الديمقراطية فيه. وهم يلحون بلجاجة لا مثيل لها، على الضرب على وتر انعدام الديمقراطية في العالم العربي وهي حقائق بالطبع.لكنهم حينما يعتبرون الديمقراطية هي الحل الأول، و حينما يرون مجتمعهم لم ينضج بعد إلى القدرة على فرضها عن طريق النضال الشعبي نراهم يقبلون بالإنقاذ الخارجي، حتى ولو جاء بواسطة اليمين المتصهين في أمريكا، والنموذج العراقي رائد الكثيرين منهم.
بعض مثقفي الاحتلال يدعون أنهم لا يريدون إبدال مستبد محلي بمستبد أجنبي، لكنهم حينما رفضوا مسبقاً مقاومة الغزو الذي هيأ له المستبد الأجنبي، ثم طاروا فرحاً بغزوه وسموه تحريراً، راحوا ينظرون لحالات (( الاضطرار )) و (( الصدف التاريخية )) التي تسمح بلقاء من لا ترغب في لقائه.
أن (( الصدفة التاريخية )) ، التي جمعت بين المستبد المستعمر، وبين بعض قوى كانت محسوبة على صف التحرير والتقدم في المجتمع، كانت تخفي خططا وبرامج معدة سلفاً، ومنذ سنوات طويلة.
يحلو لمثقفي الاحتلال والاستبداد الأجنبي، أن يكرروا أكذوبة تغير المفاهيم المعاصرة للخيانة. فذلك اللقاء مع المستبد الغازي من الخارج، الذي ولدته،الصدفة التاريخية، في لقاء المصالح، أنما هو ناجم عن الضرورة المتأتية من استحالة التغيير الداخلي، بسبب عنف وشراسة الاستبداد الداخلي، وها كم الدكتاتورية في العراق نموذجاً.
هذا ما صارت ثقافة الاحتلال تجاهر به دون مواربة غالباً،أما البعض الأخر فيدعون أنهم يريدون خروج المحتل بأقرب وقت. وأنهم يختلفون معه ولكن هذا الاختلاف لا يعني القبول بمقاومة احتلاله، التي هي إرهاب لا غير وليستمر الخلاف الذي سيحل عن طريق المفاوضات، وأن يظل غير مفسد للود والمحبة قضية!
سبق أن أدعى كثير من مثقفي الاحتلال وسياسييه من العراقيين أنهم رفضوا الحصار، ثم رفضوا الحرب، ثم رفضوا الاحتلال أخيراً. لكن أكاذيبهم تبدت حين صاروا رواداً وحماة له، و حينما دخلوا مع دبابة المحتل، وتسلموا مناصب حكمه بل تسلموا منه حتى قطع السلاح يحمون بها مقراتهم.
كثير من هؤلاء، أعتقد بأن قدوم الأمريكان ليس حاجة فقط، بل تحريراً. وأن الانسحاب منوط بالاستقرار لحكم الاحتلال ولأتباع الاحتلال الذي سيحين بعد، أشعار آخر، والله وحده يعلم موعد، (( الإشعار الآخر )) . لكن لوطنيي العراق المخلصين الثابتين كان جواب آخر.
فرغم الأثر المدمر لتلك القوى التي تم شراءها، أو خداعها، فأن الترويج لثقافة الاحتلال وسياسته تلقى الرفض أكثر فأكثر بين الناس وهذا ما صارت تدلل عليه، و تعبر عنه ثقافة وإعلام الرفض والنضال الشعبي من أجل التحرير، في العراق بالدرجة الأولى، وكذلك في كل إرجاء الوطن العربي.
عرف التاريخ ديكتاتوريات كثيرة استماتت في الحفاظ على سلطتها، لكن تولي قيادة النضال الشعبي المرير والطويل، ضد الاحتلال الأجنبي لا يمكن أن يتوفر إلا لقيادات ديمقراطية وشديدة البأس أيضاً، تستطيع أن تنسجم تماماً مع تطلعات وإمكانات شعبها، ومن يتخلف عن هذا الواجب، سيتركه لغيره ممن هو الأجدر.
ويتبين الآن أكثر فأكثر، أن أطماع المحتلين ودوسهم استقلال العراق، وهمجية تعاملهم مع شعبه، هي التي أججت المقاومة والرفض الوطني. ومن يهيمون شغفاً بنهج التفاوض والحوار السلمي من أجل التحرير، سيفهمون أن ذلك يمكن أن يتوفر فقط يوم يعد له شعب العراق ما استطاع من قوة تضعه في جدول الحسابات الجدية.
تعرف السياسة بأنها فن الممكن من الأمور، ولكن في ظروف العراق الأليمة، فأن سياسة تحريره تراءت للبعض بأنها فن المستحيل. لكن المستحيل يغدو واقعاً، حينما تتحول الخيبة إلى آمل، والتريث إلى مبادرة وفعل مدروس، يعتمد وحدة العراقيين أولاً وأخيراً.
من مصلحة العراق والعراقيين بالطبع، وكذلك من مصلحة شعبي الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، أن تقوم العلاقات معهما، ومع كل دول العالم على أساس العدل والسلم، ورعاية المصالح الاقتصادية لكل الاطراف . لتحقيق ذلك ينبغي احترام استقلال العراق وإنهاء احتلاله، بأشراف فعال من الأمم المتحدة، وترك شؤونه للعراقيين، يقررون وحدهم حاضره ومستقبله.وبات واضحاً، أكثر من أي وقت مضى، أن تحرير العراق، يرتبط ارتباطاً وثيقاً، بقضايا الوطن العربي كله، وفي مقدمتها تحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني الأمريكي.
يحرص كل المخلصين من العراقيين، ومن أشقاء العراق وأصدقائه، على استعادة عافيته بأقرب وقت وبأقل الخسائر والآلام فالشعب قد عانى الكثير من التضحيات.بالأمس مرارات الدكتاتورية وتعاستها واليوم مرارات الاحتلال الأمريكي البريطاني.ويدرك كل عاقل، وليس صناع المكر والمرتدين، أن استمرار الاحتلال، لا يعني سوى المزيد من المعاناة والمآسي، وسوى ضياع العراق واندثاره.
يوجد من يعتقد، بأن عصر ثورات الشعوب قد انتهى وأن عالماً جديداً بدون ثورات قد حل. انتعشت هذه التنظيرات عند نهاية معسكر الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وغيره، وفي أعقاب الانتكاسات التي حلت بقوى التحرر والوحدة القومية والتقدم والاشتراكية.
أن نقطة ضعف تلك التنظيرات تكمن على الأغلب في الاعتقاد بأن ثورات الشعوب هي من تدبير الطلائع. بالطبع فإن الطلائع لعبت أدواراً رئيسية، بل وحاسمة في توجيه الثورات وقيادتها بسلامة، في الغالب نحو تحقيق أهدافها.لكن التاريخ عرف أيضاً، أن الجور البشري، هو الذي وقف دائماً وراء ثورات البشر، كمسبب لها.
وحينما لا تكون الإمبريالية المعاصرة الأنكلو– صهيو أمريكية– قد خفضت وتيرة ذلك الجور البشري، بل هي زادته وأججته، فان ثورات الشعوب تظل متوقعة في أي وقت، وفي أي يوم.
حينما يتحدث مثقفو الاحتلال، الآن يبدون وكأنهم يتلوون ألماً من شدة المعاناة التي أصابت الشعب والوطن. وغالباً ما يستخدمون خطاباً فخم اللفظ والرنين، لكنه فارغ المحتوى، إلا أنهم في الواقع، في حالة من الراحة والرضا عن النفس، ذلك أنهم يؤدون مهمة تكريس سايكولوجية الإحباط، وأن أكثر ما يكرهون سماعه، هو الخطاب الذي يستهدف إذكاء روح النضال من أجل التحرير والتغيير، وتعزيز ثقة الناس بمستقبل هذا النضال.
يتحدثون عن (( وعي الضرورة التاريخية )) ! مفهوم عام يتهربون من ربطه بالمهمات الملموسة، فهل هناك وعي أكثر من الضرورة لإنهاء احتلال الوطن ووقف تدميره؟
لم يعد مستغرباً أن تحمل لنا تطورات العصر الراهن شذوذاً غير متوقع عند مجافاة القيم الطيبة التي ألفناها، وهذا ما نشهده بوضوح اليوم.
ورغم أننا يجب أن نرحب بكل فرص حل المشكلات البسيطة أو المعقدة، بروح الحوار السلمي، ولكن يظل من المشكوك فيه أمكان مواجهه أبشع صور العدوان والاستهتار بالقيم السليمة، وبمقومات حياتنا، بروح الحوار والسلم.
أن ثقافة الاحتلال تطلع علينا عنيفة متغطرسة شتامة تلفيقية لا تراعي ذوق ولا أدب. بعض رموزها، كانت قد ترعرعت على أيدي أجهزة القمع الاستبدادي، كوكلاء لها في ميادين الصحافة والثقافة. لكن المباعين يبدلون السيد بسرعة، فيهرعون وراء من سيمتلك السطوة، أو من سيدفع أكثر. ومثلما استطاع خطاب المقاومة أن يصمد أيام الدكتادورية والقهر، وأن يبتكر مختلف وسائل التنكر والتخفي، كي ينطق ويفعل، فهو مطلوب له اليوم في ظل "ديمقراطية الاحتلال"، أن يصل للناس.
نستطيع أن نرى ثقافة التحرير والتقدم، تحدث الشعب في الصحف والإذاعات والفضائيات وأشرطة الغناء، في خطب المساجد وهتافات التظاهر في الشوارع. تحية لثقافة الرفض والتحرير، الرصينة الواثقة، الصابرة، بعد أن خرجت من صدمة الذهول والمفاجأة لتواجه هوس ثقافة التخاذل والردة. حين تتعزز وحدة الوطنيين العراقيين، ووحدة أشقائهم العرب وأصدقائهم في كل العالم وتقوى شوكتهم عند ذاك، يمكن أن نقول للضالين والمضللين : ((تعالوا إلى كلمة سواء)).
|
||||||||