حجم اصغر

حجم اكبر

لطباعة الصفحة
لفتح الصحة علي برنامج : WORD
لفتح الصحة علي برنامج : ADOBE

نظرة لمستقبل العراق

من موازنة الرعب إلى توازن الحل العقلاني

 

وقع شعب العراق، بين فكي رحى تطحنانه وتجهضان طموحه في العيش الآمن الرغيد، وفي المستقبل الأفضل.

 

هذان الفكان هما نظام الاستبداد من جهة، ومن الجهة الأخرى، معارضوه من الأحزاب التي تواطأت مع العدو المشترك، الأكثر خطراً : أمريكا.

 

قيل الكثير عن الاحتلال وعن نظام الاستبداد، وعن معارضيه الذين ألقوا راية الكفاح الوطني، وأخيراً عن مآسي الاحتلال. والمهم النظر في حصيلة الشهور الأخيرة من عمر الاحتلال القصيرة في الزمن، والكبيرة في الأثر والعبر.

 

فالأحزاب الستة إلتي كانت في صف الحركة الوطنية العراقية بالأمس، ثم تواطأت مع غزاة الوطن، قامت بأكبر سرقة تاريخية، لأعظم مأساة عراقية.

 

أن تلك الأحزاب المرتدة عن الوطنية، وعن مهمات التحرير والتغيير، سرقت آلام شعب العراق جراء اضطهاد الدكتاتورية له، وسرقت آمال منا ضليه الساعين نحو الأفضل. فكان في غزو العراق، مهرجان لعرس أخفت أفراحه، صفقة مأساوية يندر مثيلاً لنتائجها من الضحايا، وأذلا للعراقيين، وبيع لبلادهم في سوق النخاسة العالمية.

 

وتمهيداً لهذه الصفقة المذلة، انتعشت التنظيرات الجديدة من جانب المرتدين، إلتي تلغي الجوهر الاستغلالي للإمبريالية، وتسوغ اعتمادها الصديق الأول والأقرب، وتزعم أن مفهوم خيانة الوطن قد تغير.

 

إذا كان نظام الاستبداد، قد اضعف لدرجة كبيرة، قدرات العراق على التوقي من الوباء الجديد، فأن الأحزاب الستة، إلتي تواطأت مع المحتل، وخانت قضيتها الوطنية، سعت للإجهاز على كل ما تبقى من روح المقاومة فيه، ومن ذلك تدمير انتسابه العربي.

 

ورغم الأثر التدميري الهائل، لمسعى المرتدين عن الوطنية ومهمات التغيير، فهم لم يفلحوا في قتل روح المقاومة في شعب العراق.

 

كان للحقد على الاستبداد، والفرح بزواله، عن طريق الاحتلال الأمريكي البريطاني، تأثير مؤقت بين الناس.

 

فالأحزاب إلتي تواطأت مع المحتل، استطاعت أن تضلل بعض الشعب، لبعض الوقت، بما أسمته تحرير العراق. وليس طويلاً بعد الاحتلال، بدأ مسلسل الفشل والانهيارات تلاحق مشروعها (( التحريري التغييري )) !

 

آخر أدلة هذا الفشل ما أعلن عنه يوم 15/ تشرين الثاني (نوفمبر)، في القنوات الفضائية أن معهد غالوب للإحصاء ذكر أن العراقيين الذين يعتبرون أن الاحتلال جاء لصالح العراق قد أنخفض إلى 5%. أما من يعتقدون أنه جاء من أجل الديمقراطية فكانوا 1% فقط.

 

ورغم أن جهة الإحصاء هي أمريكية، فلا بد من ملاحظة الواقع الجديد في المزاج العراقي.

 

ولابد من التساؤل : ما الذي بدل ذلك المزاج ؟؟

 

شيئان بدلاه خلال سبعة شهور من الاحتلال هما، بشاعة جرائمه وسرقاته أولاً، والمقاومة والرفض الشعبي ثانياً.

 

ان تطور المقاومة، كماً ونوعاً، جغرافياً واجتماعياً، بدأ يقلب كل الحسابات السابقة. إضافة إلى أنه كشف بطلان الكثير منها.

 

ومن المآثر الواضحة لقوى المقاومة والرفض للاحتلال، أنها أفلحت في تحقيق توازن في الرعب أولاً، إلى جانب التوازن في الأثر السياسي والنفسي، داخل العراق بالا ساس، وكذلك في الرأي العام العربي والعالمي، وأخيراً داخل بلدان العدوان. تدلل على هذا التوازن الجديد، الضربات الأخيرة الفعالة، إلتي وجهتها المقاومة، لمقرات قيادات الاحتلال وإسقاط طائراته وازدياد ضحاياه.

 

في منتصف تشرين الثاني (نوفمبر)/2003، كتب الصحفي البريطاني روبرت فيسك مقالة عن العراق، وضع لها العنوان المعبر التالي : (( رغم الكلمات الكبيرة في واشنطن، الأمريكيون يواجهون ثورة شعبية في العراق، وليس مقاومة فقط )) .

 

تتستر عدوانية الإمبريالية الأمريكية المنفلتة في العراق خاصة، بالراية المهترئة التي كتبوا عليها، الأعمار والديمقراطية ومكافحة الإرهاب. لكن الديمقراطية والعلنية، والحلول السلمية للمشاكل الداخلية لكل شعب،أو للعلاقات بين الدول، كانت وستظل هي المطلوبة أولاً.

 

وإزاء إصرار اليمين الأمريكي المتصهين، استغلال هذه الشعارات، لتمرير بطشهم وسرقاتهم، حينذاك ينبغي فضح زيفها وزيف مردديها بيننا.

 

بعض مرددي تلك الشعارات، يرون أن الرد على عنف الاحتلال بعنف المقاومة، يزيد من آلام الشعب وضحاياه. لكن التسليم لما يريده المحتل الطامع، وهو غير محدود، أنما يكلف الشعب تضحيات لا تقدر ولا تحدد. أن مأساة العلماء العراقيين المتمثلة بالملاحقات والاغتيالات والتشريد خارج الوطن، هو نموذج بسيط لمشروعهم الكبير.

 

بالطبع ينبغي التميز بين العدو وعملائه، حين يرفعون تلك الشعارات الخادعة،و بين بعض الوطنيين الذين ينساقون إلى تصديقها وترديدها.

 

من هؤلاء، الوطنيون الذين يرغبون بالنضال الشفاف أو التحاوري مع غزاة الوطن، ويرفضون المقاومة، بل يبشعون فعاليتها. لكن وقائع الحياة الراهنة والمقبلة، هي التي ستقنع المخلصين من هؤلاء، بعدم جدوى حلولهم.

 

من حق طلائع النضال الوطني، أن تحذر من أكذوبة الديمقراطية والعلنية، بما في ذلك أكذوبة الحرية للمئات من الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والصحف، أو ما يسمى بوزارة حقوق الإنسان في ظل الاحتلال.

 

أن مصداقية وعلنية أهداف النضال الوطني، تتطلب الآن بالذات، قدراً عالياً من إتقان أساليبه وأشكاله التنظيمية .

 

وتؤكد تجربة نضال الشعب الطويلة ضرورة تركيز الجهد على تعبئة شبيبة المستقبل، وخاصة بين الطلبة وشغيلة الفكر والعمل. فهؤلاء كانوا دائماً، شعلة الثورات في الماضي وسيكونون كذلك في المستقبل.

 

أن إيضاح البرنامج الوطني، السياسي والاجتماعي والاقتصادي، للقوى المقاومة والمناهضة للاحتلال، ووحدة هذه القوى، ورسوخ قناعتها بأهداف التحرير والتغيير الديمقراطي، ورفض عودة الاستبداد السياسي، كل ذلك يمكن أن ينتهي بهذه القوى نهاية موفقة، من حال توازن الرعب والضحايا، إلى توازن العقل السياسي والحل السياسي.

 

وحينما يهيمن النضال الشعبي، على كفة ميزان القوة والرعب، فهو كفيل بأن يدفع إلى الوراء بالتوازنات إلتي تلهث وراء الثراء والسلطة.

 

عند ذاك فقط، يمكن التفكير بخطة واضحة، تستهدف إنقاذ العراق وإخراجه من مستنقع الدم. وهذا يعني وضع خطة لحلول مستقبلية، تقبلها القوى المناهضة للاحتلال، وتشارك فيها جهد الامكان، قوى أخرى تعيد النظر جدياً،و بإخلاص بمواقف الماضي والحاضر.

 

ستؤثر عوامل عديدة في تقرير مستقبل العراق القريب. وأرى أن في مقدمة هذه العوامل، بل العامل الحاسم فيها، هو قيام جبهة وطنية واسعة التمثيل وموحدة الأهداف، تتخطى آثار الماضي السلبية، وتكرس النزعة الديمقراطية الجديدة من أجل التحرير والتغيير، بما يجعلها قادرة على الحياة والتطور.

 

* * *

 

كلمه القيت في الندوة التي التي عقدت في بيروت – 8 – 11 /اذار (مارس)/2004 تحت عنوان (احتلال العراق و تداعياته إقليميا و عربيا وعالميا).

 

باقر ابراهيم © http://www.ibaqir.net