حجم اصغر

حجم اكبر

لطباعة الصفحة
لفتح الصحة علي برنامج : WORD
لفتح الصحة علي برنامج : ADOBE

مستقبل العراق

ثقافة العنف … وثقافة الحوار

 

كان المركز العراقي للأعلام والدراسات، قد عقد ندوة في السويد، بتأريخ 10/10/2001. وقد شاركت في هذه الندوة إلى جانب أخوان آخرين، من المناضلين وذوي الرأي، من إتجاهات مختلفة.

 

نشرت مجلة (دراسات عراقية)،التي يصدرها المركز، ويرأس تحريرها الاستاذ عادل روؤف، وقائع وهذه الندوة، في عددها (19) الصادر في كانون الاول (ديسمبر) 2001.

 

وضعت المجلة عنواناً لهذه الندوة : "مستقبل العراق ــ ثقافة العنف.. وثقافة الحوار".

 

يلزم علي أن أقول بان من كانوا في الصف الوطني بالامس، ورفضوا ثقافة الحوار والنضال السلمي لحل المشاكل الداخلية، وفي مقدمتها مشكلة الحكم في العراق، صاروا يرتضون تلك الثقافة وذلك "النضال"، في الموقف من طغاة العصر الامبرياليين والصهاينة، الذين خططوا، بقصد مسبق، لاحتلال البلاد وإذلال العباد.

 

ان رغبتي في نشر هذه المادة القديمة الآن، تتصل بفائدة إستذكار أراء ومواقف الأمس وارتباطها باحداث اليوم.

 

وهي ترتبط أيضاً، بما جرى فعلاً في العراق بعد احتلاله، وما تحقق من خطط وحلول وتصادم في الاماني والارادات.

 

كل ذلك قد يفيدنا جميعاً، في الاقتراب من ادراك الامال الطيبة المقبلات، لناسنا ولعراقنا.

 

* * *

 

سوف أتحدث عن الوضع في العراق، واحتمالات المستقبل، على الساحة العراقية.

 

ان حديثي، في الحقيقة، يتناول الوضع بصورة عامة، كمهمات لقوى النضال من أجل التغيير، وليس ارتباطاً مع أزمة الوضع الراهن، رغم التركيز على الحلول والمهمات الراهنة.

 

ان العراق، كما هو معروف، من البلدان التي تتميز بقسوة القمع للقوى الشعبية، ولمخالفي السلطة، الذين يرون رأياً آخر اتجاه وأسلوب الحكم.

 

كما يتميز العراق بطول فترات الانظمة القمعية. ان هذه الحقيقة تكمن وراء اتجاهات اليأس من إمكان تحقيق التحولات الديمقراطية، التي تنتشر الان في أوساط الشعب، وقوى النضال من أجل التغيير.

 

ولكن قوى النضال الواعية وشخصياتها، ملزمة بان تبحث عن الطريق السليم الموصل إلى نوال المطالب الشعبية وإجباراً لحاكم على التراجع. ويبقى السؤال المطروح ما هو الحل، وكيف الحل؟

 

باعتقادي ان الانجذاب الى فكرة عدم جدوى النضال الشعبي، واضيف اليه الضغط الشعبي، لاجبار الحاكم على التراجع عن تعسفه، قد يقودنا إلى حلول أكثر مرارة ومنها: إبقاء الأمل بالتغيير والتقدم معلقاً على الحلول الخارجية،أو الحلول التي تمنحها لنا الحظوظ والمصادفات.

 

لايمكن اطلاقاً المراهنة على ان تلك الحظوظ والمصادفات ستكون سعيدة. خاصة عندما نرى وندرك بان أبرز القوى الخارجية، الاشد عداءً لشعبنا وتطلعاته الطيبة، ترسم الخطط العلنية والخفية، لان يكون التغيير المرتقب في العراق لصالحها. وفي مقدمة هذه القوى، تحالف امريكا.. بريطانيا..إسرائل.

 

يتعذر وجود أنظمة متسلطة أو قمعية حديدية، لا يمكن ان تنحني أو تذوب أمام ضغط الجماهير الواعية والمنظمة، اذا سار نضالها في الطريق السليم.

 

ان الطريق السليم والاسلوب السليم الذي أعنيه، هو الاتجاه العقلاني الذي يضع من الاهداف ما هو ممكن تحقيقه. وهذا ما عبّرت عنه في كثير من كتاباتي بخيار اسلوب النضال السلمي الديمقراطي، الذي يهدف اولاً إلى تجنيب العراق المزيد من نزف الدم والتمزق الداخلي، ثم البحث عن الحلول الممكنة والواقعية التي تفرضها قوى النضال على الحاكمين، وخاصة ما يتعلق بالانفتاح الديمقراطي، تشريعاً وممارسة.

 

وفي رأيي، اذا اتفقت قوى النضال في جميع مواقعها، ومن كل الاتجاهات الوطنية، وأقصد بها القوى الديمقراطية والقومية الاسلامية والبعثية والحركة الكردية، فانها جميعاً، باتحادها تستطيع ان تفعل الكثير.

 

أرى في البداية، انه يجب ان يكون هناك قبول الجميع بالآخرين، وبامكان الحوار والتفاهم، وبضرورة قطع العلاقات مع القوى الخارجية ورفض التعامل معها.

 

ان الخطاب السياسي المعقول والاهداف المعقولة التي توضع للنضال، بامكانها ان تضيف لمسعانا قوى جديدة ومهمة من الرأي العام العربي والاسلامي وقوى الخير في العالم، وهي كثيرة.

 

و واضح ان جميع هذه القوى يهمها الان ان يتركز النضال والحلول المطلوبة، على الاهداف الانية التي تنهي مأساة العراق، وخاصة تعزيز صمود الوطن، ومقاومته للعدوان الاجنبي والحصار الظالم، ولتركيز الجهد على هدف التعاون من أجل اعادة بناء الوطن ووقف تدهوره ومن أجل تقدمه اللاحق.

 

ونحن عند تفهمنا للاسلوب السليم لكسب المساندة العربية والاسلامية والعالمية وكسب منظماتها ودولها وشخصياتها الفاعلة، فانها كلها يمكن ان تدعم النضال لمطالبة الحاكمين في العراق باستحقاق الافراج عن الديمقراطية الحبيسة، وإنهاء نظام التفرد والارهاب، وستكون نصرة الرأي العام العالمي والعربي والاسلامي، لنضالنا العادل، من أجل الديمقراطية، ممكنة وسهلة.

 

باعتقادي، انه لا يكفي ان نعزل ونفضح الحل الامريكي، وأنصاره من القوى وبعض الشخصيات العراقية، أي انصار قانون (تحرير العراق). فهؤلاء مفضوحون.

 

وقد قال عنهم رئيس جمهورية مصر العربية حسني مبارك : (ان أي جماعة معارضة خارج العراق يعرف انها تتعاون مع الاميركان.ينظر اليها الشعب كخونة).

 

وعليه يجب تركيز الاهتمام لرفض طروحات تلك الشخصيات والقوى التي كانت وطنية، وتدعي انها ما زالت وطنية، ولكنها تلتقي بحلولها وطروحاتها مع الحل الامريكي.

 

أعني بهم أولئك الذين يطرحون هذه الشعارات أي :

•  رفض التدخل الاجنبي، ولكنهم يلتقون مع التدخل الاجنبي سراً وعلانية، وينسقون معه.

•  يدعون الى رفع الحصار دون قيد أو شرط عن الشعب العراقي، مع إبقاء الحصار السياسي والدبلوماسي والعسكري على النظام العراقي.

•  يرفضون التدخل الاجنبي في الشأن العراقي. ويؤيدون مناطق حظر الطيران ويطالبون بتوسيعها وبتكوين ما يسمونه (الجيب الآمن في جنوب العراق)!

•  يدعون رفضهم للتدخلات الامريكية، ويطالبون بان تكون الأمم المتحدة الوكيلة على العراق حتى توزيع الغذاء والدواء، بدلاً عن الحكومة العراقية، متناسين ان الأمم المتحدة ومجلس الأمن، كانت وما تزال، رهينة القرار الامريكي.

 

ان طروحات هذه الجهات، والاطراف التي عرّجنا عليها، وعلى حلولها، كبيرة الضرر، ذلك انهم يتحدثون بأسم الديمقراطية والوطنية والقومية والاسلام.

ان الدعوة الى رفض طروحاتهم، التي بالاضافة الى خطورتها، فانها تتبع الاساليب الشرسة والعنيفة لمحاربة الوطنيين العراقيين، وفي رفض اللقاء والحوار معهم وتحريض الجهات الاجنبية والاقليمية ضدهم.

 

أرى انه يترتب على كل الوطنيين، ان يؤسسوا تجمعاتهم الوطنية الصادقة. فهذه رغم قلتها في البداية، ورغم ضآلة إمكاناتها، فانها تملك المستقبل بسبب كونها لصيقة بمصالح الشعب والوطن.

 

أنا أدرك ان النهج الذي ندعو له، أو تدعو له القوى الوطنية، صعب وطويل ومعقد.

 

ولكن هذا الطريق، رغم كونه صعباً ومعقداً، فهو الاكثر ضماناً وسلامة. والطرق الأخرى فاشلة. وهناك (الحل الامريكي).

 

ان الطرق الاخرى، الموصوفة على الساحة العراقية، وخاصة المضادة للطريق الذي أتحدث عنه، هي في الحقيقة الاكثر ضرراً على حاضرنا ومستقبلنا العراقي. وخاصة طريق الاعتماد على الاجنبي وتعليق الآمال عليه وعلى وعوده المعسولة.

 

فهذه الوعود، رغم كونها معسولة، لكنها مسمومة وقاتلة.

 

ان الاشارة الى تقسيم العراق ومخاطره وجيهة جداً. وهي ليست قضية أوهام، أو مرتبطة بالوضع النفسي. فأنا أربطه بالنوايا العدوانية للامبريالية الجديدة، وعلى رأسها الولايات المتحدة واسرائيل.

 

انها ليست مرتبطة بالعراق فقط، بل متعلقة بالعولمة الجديدة، بتمزيق كل بلد يمكن ان يكون قوة مؤثرة. وقد قلت في احدى مقالاتي، انهم سيمزقون كل مدينة وقرية، وعلى سبيل المثال : يوغسلافيا.

 

لقد أشارا أحد الأخوة الى نقطة جوهرية وحساسة، وهي قضية الموقف من الثروة النفطية. وانا أضيف اليها، قضية الشرق الاوسط ! فهم يريدون من العراق ان يرضخ لحلولهم.

 

لكنهم سيدركون، ان هذا البلد صعب وعصي عليهم، وعلى نواياهم ومصالحهم.

 

من الممكن، ان نتفاءل حين نرى الشخصيات والقوى التي تدعو لهذا النهج، وخاصة داخل الوطن.

 

ويمكن ان يكون نضالنا، عضيداً ومساعداً لهم في كثير من بلدان المهجر، لكي يزداد ويرتفع صوته.

 

باقر ابراهيم © http://www.ibaqir.net